كلما أضآء لهم مشوا فيه وإذآ أظلم عليهم قاموا
[البقرة: 20].
وليس بعيدا أن يقال: إنه من وجه آخر، تعتبر النجوم كالكتب السابقة، مضى عليها الظهور في حينها والخفاء بعدها.
والليل إذا عسعس: هو ظلام الجاهلية.
والصبح إذا تنفس: يقابله ظهور الإسلام، وأنه سينتشر انتشار ضوء النهار، ولا تقوى قوة قط على حجبه، وسيعم الآفاق كلها، مهما وقفوا دونه
يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون
[الصف: 8].
وقد يكون في هذا الإيراد غرابة على بعض الناس، ولا سيما وأني لم أقف على بحث مستقل فيه، ولا توجيه يشير إليه، ولكن مع التتبع وجدت اطراده في مواضع متعددة، وجدير بأن يفرد برسالة.
ومما أطرد فيه هذا التوجيه سورة الضحى، يقول الله تعالى:
والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى
[الضحى: 1-3]، فإن المقسم عليه عدم تركه صلى الله عليه وسلم ولا التخلي عنه، فجاء بالمقسم به قسمي الزمن ليلا ونهارا، كأنه يقول له: ما قلاك ربك ولا تخلى عنك، لا في ضحى النهار حيث تنطلق لسعيك، ولا في ظلمة الليل حين تأوي إلى بيتك.
ومعلوم ما كان من عمه أبي طالب حينما كان يجعله ينام مع اولاده ليلا، حتى إذا أخذ الجميع مضاجعهم يأتي خفية فيقيمه من مكانه. ويضع أحد أولاده محله، حتى لو كان أحد نواه بسوء، وقد رآه في مكانه الأول يصادف ولده، ويسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقوله:
وللآخرة خير لك من الأولى
[الضحى: 4]، أي من كل ما طلعت عليه الشمس وسجاه الليل.
ومنه أيضا: وهو أشد ظهورا في سورة العصر قال تعالى:
والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا
[العصر: 1-3]، إلى آخر السورة. فإن المقسم عليه هو حالة الإنسان، الغالية عليه من خسر، إلا من استثنى الله تعالى، فكان المقسم به، والعصر المعاصر للإنسان: طيلة حياته وهو محل عمله، الذي به يخسر ويربح. وهو معاصر له وأصدق شاهد عليه.
وكنت قد سمعت من الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه يقول: إن العمر وزمن الحياة حجة على الإنسان كالرسالة والنذارة سواء، وذكر قوله تعالى:
أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجآءكم النذير
[فاطر: 37]، فجعل في الآية التعمير، وهو إشغال العمر موجبا للتذكر والتأمل، ومهلة للعمل، كما تخبر إنسانا بأمر ثم تمهله إلى أن يفعل ما مر به، فهو أمكن في الحجة عليه.
فكان القسم في العصر على الربح والخسران، أنسب ما يكون بينهما، إذ جعلت حياة الإنسان كسوق قائمة والسلعة فيه العمل والعامل هو الإنسان. كما قال تعالى:
هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله
[الصف: 10-11].
وفي الحديث الصحيح عند مسلم:
" سبحان الله تملأ الميزان، وفيه كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها "
، فإن كان يشغل عمره في الخير فقد ربح، وأعتق نفسه وإلا فقد خسر وأهلكها ".
ويشير لذلك أيضا قوله تعالى:
إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة
[التوبة: 111].
فصح أن الدنيا سوق، والسلعة فيها عمل الإنسان، والمعاملة فيه مع الله تعالى، فظهر الربط والمناسبة مع المقسم به، والمقسم عليه.
قوله تعالى: ﴿ إنه لقول رسول كريم ﴾.
أجمعوا على أن المراد بالقول هو القرآن، وأما المراد بالرسول الكريم جبريل عليه السلام بدليل قوله تعالى: ﴿ ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين وما صاحبكم بمجنون ﴾ [التكوير: 20-22].
فصاحبكم هنا: هو محمد صلى الله عليه وسلم، الذي صحبهم منذ ولادته وذو القوة عند ذي العرش: هو جبريل عليه السلام، وفي إسناد القول إليه ما قد يثير شبهة أن القول منه، مع أنه كلام الله تعالى.
وقد أجاب الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب، بإيراد النصوص الصريحة في أن القرآن كلام الله تعالى، وقال: وإن في نفس هذه الآية ما يرد هذه الشبهة، ويثبت تلك الحقيقة، وهي قوله تعالى: ﴿ لقول رسول ﴾ لأن الرسول لا يأتي بقول من عنده، وإنما القول الذي جاء به هو ما أرسل به من غيره، إلى ما أرسل إليه به.