تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

[البقرة: 177].

ولمساواة طرفي الصغرى في الماصدق، وهو الدين حسن الخلق، يكون التركيب المنطقي بالقياس الاقتراني حسن الخلق هو البر، والبر هو الإيمان بالله واليوم الآخر، إلى آخر ما جاء في الآية الكريمة، ينتج حسن الخلق هو الإيمان بالله واليوم الآخر وما عطف عليه.

وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الدين كله بأقسامه الثلاثة:

الإسلام من صلاة وزكاة. إلخ.

والإيمان بالله وملائكته. إلخ.

ومن إحسان في وفاء وصدق وصبر وتقوى الله تعالى، إذ هي مراقبة الله سرا وعلنا، وقد ظهرت نتيجة عظم هذه الأخلاق في الرحمة العامة الشاملة في قوله تعالى:

ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين

[الأنبياء: 107].

وكذلك للأمة يوم القيامة، كما قال صلى الله عليه وسلم:

" أقربكم مني منزلة يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ".

وهي قضية منطقية أخرى

" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق "

ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين

[الأنبياء: 107].

فمكارم الأخلاق رحمة للعالمين في الدنيا، ومنزلة عليا للمؤمنين في الآخرة.

تنبيه آخر

اتفق علماء الاجتماع أن أسس الأخلاق أربعة:

هي: الحكمة، والعفة، والشجاعة، والعدالة، ويقابلها رذائل أربعة:

هي الجهل، والشره، والجبن، والجور، ويتفرع عن كل فضيلة فروعها:

الحكمة: الذكاء وسهولة الفهم، وسعة العلم، وعن العفة، القناعة والورع والحياء والسخاء والدعة والصبر والحرية، وعن الشجاعة النجدة وعظم الهمة، وعن السماحة الكرم والإيثار والمواساة والمسامحة.

أما العدالة وهي أم الفضائل الأخلاقية، فيتفرع عنها الصداقة والألفة وصلة الرحم وترك الحقد ومكافأة الشر بالخير واستعمال اللطف. فهذه أصول الأخلاق وفروعها فلم تبق خصلة منها إلا وهي مكتملة فيه صلى الله عليه وسلم.

وقد برأه الله من كل رذيلة، فتحقق أنه صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم فعلا وعقلا.

وقال الفخر الرازي: لقد كان صلى الله عليه وسلم على خلق عظيم. والخلق ما تخلق به الإنسان، لأن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم

أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده

[الأنعام: 90]، ولا بد لكل نبي من خصلة فاضلة. فاجتمع له صلى الله عليه وسلم جميع خصال الفضل عند جميع الأنبياء. وهذا وإن كان له وجه إلا أن واقع سيرته صلى الله عليه وسلم أعم من ذلك.

فقد كان قبل البعثة والوحي ملقبا عند القرشيين بالأمين، كما في قصة وضع الحجر في الكعبة إذ قالوا عنه الأمين ارتضيناه.

وجاء

" عن زيد بن حارثة لما أخذ أسيرا وأهدته خديجة رضي الله عنها لخدمته صلى الله عليه وسلم.

وجاء أهله بالفداء يفادونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: " ادعوه وأخبروه فإن اختاركم فهو لكم بدون فداء " ، فقال زيد: والله لا أختار على صحبتك أحدا أبدا، فقال له أهله: ويحك أتختار الرق على الحرية؟ فقال: نعم، والله لقد صحبته فلم يقل لي لشيء فعلته لم فعلته قط. ولا لشيء لم أفعله لم لم تفعله قط " ورجع قومه وبقي هو عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده وأعلن تبنيه "

على ما كان معهودا قبل البعثة.

إننا لو قلنا: إن اختيار الله إياه قبل وجوده وتعهد الله إياه بعد وجوده من شق الصدر في طفولته ومن موت أبويه ورعاية الله له.

كما في قوله تعالى:

ما ودعك ربك وما قلى

[الضحى: 3] إلى قوله:

ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضآلا فهدى ووجدك عآئلا فأغنى فأما اليتيم فلا تقهر وأما السآئل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث

[الضحى: 6-11].

إنها نعمة الله تعال عليه وعلى أمته معه صلوات الله وسلامه عليه، ورزقنا التأسي به.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٣٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٣٤٤