68.2-4
تقدم للشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه بيان الرد على مقالتهم تلك عند قوله تعالى:
أم يقولون به جنة بل جآءهم بالحق
[المؤمنون: 70] الآية من سورة المؤمنون.
وساق النصوص، وقال: إن في الآية ما يرد عليهم، وهو قوله تعالى:
بل جآءهم بالحق
[المؤمنون: 70] اه.
وهكذاهنا في الآية ما يدل على بطلان دعواهم، ويرد عليهم، وهو قوله تعالى: ﴿ وإن لك لأجرا غير ممنون ﴾ أي على ما جئت به من الحق وقمت به من البلاغ عن الله والصبر عليه، كما رد عليهم بقوله:
وما صاحبكم بمجنون
[التكوير: 22].
وكذلك قوله تعالى في حق رسوله الكريم الأعظم: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ لأن المجنون سفيه لا يعني ما يقول ولا يحسن أي تصرف. والخلق العظيم أرقى منازل الكمال في عظماء الرجال.
وقوله تعالى: ﴿ وإن لك لأجرا غير ممنون ﴾ ، المن: القطع. أي إن أجره صلى الله عليه وسلم عند الله غير منقطع.
قال الشاعر:
لمقفر قهر تنازع شلوه
عبس كواسب لا يمن طعامها
وقد بين تعالى دوام أجره دون انقطاع في قوله تعالى:
إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما
[الأحزاب: 56].
وصلوات الله تعالى عليه وصلوات الملائكة والمؤمنين لا تنقطع ليلا ولا نهارا وهي من الله تعالى رحمة، ومن الملائكة والمؤمنين دعاء.
وفي سورتي: الضحى وألم نشرح، بكاملها
ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى
[الضحى: 3-5].
وقوله
ورفعنا لك ذكرك
[الشرح: 4].
ومعلوم من السنة أن من دل على خير فله مثل من عمل به، فما من مسلم تكتب له حسنة في صحيفته إلى وللرسول صلى الله عليه وسلم مثلها.
وقد قال صلى الله عليه وسلم
" إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث "
، ومنها:
" أو علم ينتفع به "
وأي علم أعم نفع مما جاء به صلى الله عليه وسلم وتركه في الأمة حتى قال:
" تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي "
إلى غير ذلك من النصوص الدالة على دوام أجره.
أما جزاؤه عند الله فلا يقدر قدره إلا الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم ﴾ تقدم أن هذه بمثابة الرد على ادعاء المشركين أولا عليه صلى الله عليه وسلم ورميه بالجنون. لأن أخلاق المجانين مذمومة بل لا أخلاق لهم، وهنا أقصى مراتب العلو في الخلق.
وقد أكد هذا السياق بعوامل المؤكدات باندراجه في جواب القسم الأول في أول السورة، وبإن اللام في لعلى، وجاء بعلى الدالة على الاستعلاء والتمكن بدل من ذو مثلا (ذو خلق عظيم) لبيان قوة التمكن والاستعلاء، وأنه صلى الله عليه وسلم فوق كل خلق عظيم متمكن منه مستعل عليه.
وقد أجمل الخلق العظيم هنا وهو من أعم ما امتدح الله به رسوله صلى الله عليه وسلم في كتابه، وقد أرشدت عائشة رضي الله عنها إلى ما يبين هذا الإجمال حينما سئلت عن خلقه صلى الله عليه وسلم الذي امتدح به فقالت
" كان خلقه القرآن "
، تعني والله تعالى أعلم: أنه صلى الله عليه وسلم يأتمر بأمره وينتهي بنواهيه، كما في قوله تعالى:
ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا
[الحشر: 7].
وكما في قوله تعالى:
إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم
[الإسراء: 9].
وكما قال صلى الله عليه وسلم
" لن يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به "
، فكان هو صلى الله عليه وسلم ممتثلا لتعاليم القرآن في سيرته كلها، وقد أمرنا بالتأسي به صلوات الله وسلامه عليه، فكان من أهم ما يجب على الأمة معرفة تفصيل هذا الإجمال ليتم التأسي المطلوب.
وقد أخذت قضية الأخلاق عامة، وأخلاقه صلى الله عليه وسلم خاصة. محل الصدارة من مباحث الباحثين وتقرير المرشدين، فهي بالنسبة للعموم أساس قوام الأمم، وعامل الحفاظ على بقائها، كما قيل:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا