وقد أجمل صلى الله عليه وسلم البعثة كلها في مكارم الأخلاق في قوله صلى الله عليه وسلم:
" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ".
وقد عنى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضوان الله تعالى عليهم بقضية أخلاقه بعد نزول هذه الآية، فسألوا عائشة رضي الله عنها عن ذلك فقالت:
" كان خلقه القرآن "
وعني بها العلماء بالتأليف، كالشمائل للترمذي.
أما أقوال المفسرين في الخلق العظيم المعنى هنا فهي على قولين لا تعارض بينهما.
منها: أنه الدين، قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم.
والآخر قول عائشة:
" كان خلقه القرآن "
والقرآن والدين مرتبطان. ولكن لم يزل الإجمال موجودا. وإذا رجعنا إلى بعض الآيات في القرآن نجد بعض البيان لما كان عليه صلى الله عليه وسلم من عظيم الخلق مثل قوله تعالى:
خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين
[الأعراف: 199].
وقوله:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم
[التوبة: 128].
وقوله:
فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم
[آل عمران: 159].
وقوله:
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن
[النحل: 125].
ومثل ذلك من الآيات التي فيها التوجيه أو الوصف بما هو أعظم الأخلاق، وإذا كان خلقه صلى الله عليه وسلم هو القرآن، فالقرآن يهدي للتي هي أقوم.
والمتأمل للقرآن في هديه يجد مبدأ الأخلاق في كل تشريع فيه حتى العبادات.
ففي الصلاة خشوع وخضوع وسكينة ووقار، فأتوها وعليكم السكينة والوقار.
وفي الزكاة مروءة وكرم
يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى
[البقرة: 264].
وقوله:
إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ولا شكورا
[الإنسان: 9].
وفي الصيام
" من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ".
وقوله صلى الله عليه وسلم
" الصيام جنة "
وفي الحج:
فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج
[البقرة: 197].
وفي الاجتماعيات: خوطب صلى الله عليه وسلم بأعلى درجات الأخلاق، حتى ولو لم يكن داخلا تحت الخطاب لأنه ليس خارجا عن نطاق الطلب
وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه
[الإسراء: 24]، ثم يأتي بعدها
وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا
[الإسراء: 23-24]، مع أن والديه لم يكن أحدهما موجودا عند نزولها، إلى غير ذلك من التعاليم العامة والخاصة التي اشتمل عليها القرآن.
وقد عني صلى الله عليه وسلم بالأخلاق حتى كان يوصي بها المبعوثين في كل مكان، كما أوصى معاذ بن جبل رضي الله عنه بقوله:
" اتق الله حيث ما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ".
وقال صلى الله عليه وسلم:
" إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستح فاصنع ما تشاء "
أي إن الحياء وهو من أخص الأخلاق سياج من الرذائل، وهذا مما يؤكد أن الخلق الحسن يحمل على الفضائل، ويمنع من الرذائل، كما قيل في ذلك:
إن الكريم إذا تمكن من أذى
جاءته أخلاق الكرام فأقلعا
وترى اللئيم إذا تمكن من أذى
يطغى فلا يبقى لصلح موضعا
وقد أشار القرآن إلى هذا الجانب في قوله تعالى:
الذين ينفقون في السرآء والضرآء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين
[آل عمران: 134].
تنيبه
إن من أهم قضايا الأخلاق بيانه صلى الله عليه وسلم لها بقوله:
" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ".
مع أن بعثته بالتوحيد والعبادات والمعاملات وغير ذلك مما يجعل الأخلاق هي البعثة.
وبيان ذلك في قضية منطقية قطعية حملية، مقدمتها حديث صحيح، وهو
" الدين حسن الخلق "
، والكبرى آية كريمة. قوله تعالى:
ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأسآء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوآ وأولئك هم المتقون