تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

65.3

قوله تعالى: ﴿ قد جعل الله لكل شيء قدرا ﴾.

بعد الأمر بإحصاء العدة، وكون العدد مختلفة الأنواع من إقراء إلى أشهر إلى وضع الحمل، والمعتدات متفاوتات الإقراء وأمد الحمل، فقد تكون في أوله أو وسطه أو آخره، وكل ذلك لا بد من إحصائه لما يترتب عليه من حرمة وحيلة، فتخرج من عدة هذا وتحل لذاك.

كما قال تعالى:

ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله

[البقرة: 235] وهذا كله لا يتأتى إلا بالإحصاء.

والإحصاء لا يكون إلا لمقدر معلوم، وعليه فقوله تعالى: ﴿ قد جعل الله لكل شيء قدرا ﴾ مؤكد لهذا كله، وكذلك فيه نص صريح أنه تعالى قد جعل لكل شيء من الأشياء أيا كان هو قدرا لا يتعداه لا بزيادة ولا بنقص، ولفظ شيء أعم العمومات.

وقد جاءت آيات كثيرة دالة على هذا العموم عامة وخاصة، فمن الآيات العامة قوله تعالى:

إنا كل شيء خلقناه بقدر

[القمر: 49].

وقوله:

وخلق كل شيء فقدره تقديرا

[الفرقان: 2].

وقوله:

وكل شيء عنده بمقدار

[الرعد: 8].

وقد جمع العام والخاص قوله:

وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم

[الحجر: 21].

ومن التقدير الخاص في مخصوص قوله:

والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون

[يس: 38-40].

إنها قدرة باهرة وحكمة بالغة، وإرادة قاهرة، وسلطة غالبة، قدرة من أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون.

وقد قال العلماء الهيئة: أن حساب مسير هذه الأفلاك في منازلها أدق ما يكون من مآت أجزاء الثانية، ولو اختلف جزء من الثانية لاختل نظام العالم ولما صلحت على وجه الأرض حياة، ونحن نشاهد حركة الليل والنهار ونقصانهما وزيادتهما وفصول السنة كما قال تعالى:

والله يقدر الليل والنهار علم ألن تحصوه

[المزمل: 20].

وهو سبحانه وتعالى يحصيه، وكذلك التقدير لوجود الإنسان قبل وبعد وجوده، قال تعالى:

من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره

[عبس: 18-19] أي قدر خلقه وصورته ونوعه كما بين ذلك بقوله:

يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا

[الشورى: 49-50] الآية. إلى قوله:

إنه عليم قدير

[الشورى: 49-50].

وهذا أيضا من آيات قدرته يرد بها سبحانه على من جحد وجود الله وكفر بالبعث كما في مستهلها قوله تعالى:

قتل الإنسان مآ أكفره من أي شيء خلقه

[عبس: 17-18].

ثم بين تعالى أنه خلقه من نطفة ماء مهين، ولكن قدر الله تعالى قدرتها وصورتها حتى صارت خلقا سويا، وجعل له وهو في بطن أمه عينين ولسانا وشفتين أي وأنفا وأذنين ويدين ورجلين وكل جهاز فيه حير الحكماء في صنعه ونظامه.

ثم قدر تعالى أرزاقه على الأرض قبل وجوده يوم خلق الأرض، وجعله آية على قدرته وعاتب الإنسان على كفره:

قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين

[فصلت: 9-10].

وبعد وجود الكون وخلق الإنسان في الإيجاد بإنزال المطر،

فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا المآء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا

[عبس: 24-28].

ثم إن صب هذا الماء كان بقدر، كما في قوله تعالى:

وأنزلنا من السمآء مآء بقدر

[المؤمنون: 18].

وقوله:

ولكن ينزل بقدر ما يشآء إنه بعباده خبير بصير

[الشورى: 27] أي بقدر ما يصلحهم ولو زاده لفسد حالهم، كما في قوله قبلها

ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشآء

[الشورى: 27] وبقدر مصلحتهم ينزل لهم أرزاقهم.

كما نبه على ذلك بقوله:

إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى

[العلق: 6-7].

هذه لمحة عن حكمة تقدير العزيز الحكيم الذي أحسن كل شيء خلقه، والذي قدر الأشياء قبل وجودها كما في قوله:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٣١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٣١٨