وقال الله عز وجل:
ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا
[الإنسان: 8] والأسرى يكونون ممن حاد الله ورسوله اه منه.
وهذا الذي صوبه ابن جرير وصححه الشافعي رحمه الله الذي تقتضيه روح التشريع الإسلامي، أما وجهة النظر التي وعدنا بتقديمها فهي أن المسلمين اليوم مشتركة مصالحهم بعضهم ببعض ومرتبطة بمجموع دول العالم من مشركين وأهل كتاب، ولا يمكن لأمة اليوم أن تعيش منعزلة عن المجموعة الدولية لتداخل المصالح وتشابكها، ولا سيما في المجال الاقتصادي عصب الحياة اليوم من إنتاج أو تصنيع أو تسويق، فعلى هذا تكون الآية مساعدة على جواز التعامل مع أولئك المسالمين ومبادلتهم مصلحة بمصلحة على أساس ما قاله ابن جرير وبينه الشافعي، وذكره الشيخ رحمة الله عليه في حقيقة موقف المسلمين اليوم من الحضارة الغربية في عدة مناسبات من محاضراته ومن الأضواء نفسه، وبشرط ما قاله الشيخ رحمة الله تعالى عليه من سلامة الداخل أي عدم الميل بالقلب، ولو قيل بشرط آخر وهو مع عدم وجود تلك المصلحة عند المسلمين أنفسهم، أي أن العالم الإسلامي يتعاون أولا مع بعضه، فإذا أعوزه أو بعض دوله حاجة عند غير المسلمين ممن لم يقاتلوهم ولم يظاهروا عدوا على قتالهم فلا مانع من التعاون مع تلك الدولة في ذلك، ومما يؤيد كل ما تقدم عمليا معاملة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده لليهود في خيبر.
فمما لا شك فيه أنهم داخلون أولا في قوله تعالى:
يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء
[الممتحنة: 1]. ومنصوص على عدم موالاتهم في قوله تعالى:
يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء بعضهم أوليآء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين
[المائدة: 51].
ومع ذلك لما أخرجهم صلى الله عليه وسلم من المدينة وحاصرهم بعدها في خيبر وفتحها الله عليه وأصبحوا في قبضة يده فلم يكونوا بعد ذلك في موقف المقاتلين، ولا مظاهرين على إخراج المسلمين من ديارهم. عاملهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالقسط فعاملهم على أرض خيبر ونخيلها وأبقاهم فيها على جزء من الثمرة كأجراء يعملون لحسابه وحساب المسلمين، فلم يتخذهم عبيدا يسخرهم فيها، وبقيت معاملتهم بالقسط كما جاء في قصة ابن رواحة رضي الله عنه لما ذهب. يخرص عليهم وعرضوا عليه ما عرضوا من الرشوة ليخفف عنهم، فقال لهم كلمته المشهورة: والله لأنتم أبغض الخلق إلي وجئتكم من عند أحب الخلق إلي، ولن يحملني بغضي لكم، ولا حبي له أن أحيف عليكم، فإما أن تأخذوا بنصف ما قدرت، وإما أن تكفوا أيديكم ولكم نصف ما قدرت، فقالوا له: بهذا قامت السماوات والأرض أي بالعدالة والقسط، وقد بقوا على ذلك نهاية زمنه صلى الله عليه وسلم وخلافة الصديق وصدرا من خلافة عمر حتى أجلاهم عنها.
ومثل ذلك المؤلفة قلوبهم أعطاهم صلى الله عليه وسلم بعد الفتح وأعطاهم الصديق حتى منعهم عمر رضي الله عنه.
وقد أطلنا الكلام في هذه المسألة لأهميتها ومسيس الحاجة إليها اليوم.
وفي الختام إن أشد ما يظهر وضوحا في هذا المقام ولم يدع أحد فيه نسخا قوله تعالى:
وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا
[لقمان: 15].
فهذه حسن معاملة وبر وإحسان لمن جاهد المسلم على أن يشرك بالله ولم يقاتل المسلمين. فكان حق الأبوة مقدما ولو مع الكفر والمجاهدة على الشرك.
وكذلك أيضا في نهاية هذه السورة نفسها قوله تعالى:
فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن
[الممتحنة: 10].
ثم قال تعالى:
وءاتوهم ما أنفقوا
[الممتحنة: 10] أي آتوا المشركين أزواج المؤمنات المهاجرات ما أنفقوا على أزواجهم بعد هجرتهن. فبعد أن أسلمت الزوجة وهاجرت وانحلت العصمة بينها وبين زوجها الكافر، وبعدت عنه بالهجرة وفاتت عليه ولم يقدر عليها، يأمر الله المسلمين أن يؤتوا أزواجهن وهم مشركون، ما أنفقوا من صداق عند الزواج ونحوه مع بقاء الأزواج على الكفر وعجزهم عن استرجاع الزوجات وعدم جواز موالاتهم قطعا لكفرهم، وهذا من المعاملة بالقسط والعلم عند الله تعالى.