ولا تبسطها كل البسط
[الإسراء: 29].
وقد قال الشاعر:
لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت
يداه كالمزن حتى تخجل الديما
فإنها خطرات من وساوسه
يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
وقد بين تعالى في مواضع أخرى، أن الإنفاق المحمود لا يكون كذلك إلا إذا كان مصرفه الذي صرف منه مما يرضي الله كقوله تعالى:
قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين
[البقرة: 215] الآية، وصرح في أن الإنفاق فيما لا يرضي الله حسرة على صاحبه في قوله:
فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة
[الأنفال: 36].
وقد قال الشاعر:
إن الصنيعة لا تعد صنيعة
حتى يصاب بها طريق المصنع
فإن قيل: هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد عن الحاجة الضرورية، مع أن الله تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا، وذلك في قوله:
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون
[الحشر: 9].
فالظاهر في الجواب والله تعالى أعلم: هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالا، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعا، وذلك كما إذا كانت على المنفق واجبة كنفقة الزوجات ونحوها، فتبرع بالإنفاق في غير واجب، وترك الفرض لقوله صلى الله عليه وسلم:
" وابدأ بمن تعول "
، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله، ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم، فلا يجوز له ذلك؟ والإيثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة، وكان واثقا من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال.
وأما على القول بأن قوله تعالى:
ومما رزقناهم ينفقون
[البقرة: 3] يعني به الزكاة، فالأمر واضح، والعلم عند الله تعالى. انتهى منه.
والواقع أن للإنفاق في القرآن مراتب ثلاثة:
الأولى: الإنفاق من بعض المال بصفة عامة، كما في قوله تعالى: ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾.
الثانية: الإنفاق مما يحبه الإنسان ويحرص عليه، كما في قوله تعالى
وآتى المال على حبه
[البقرة: 177]، وهذا أخص من الأول، وقوله:
ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا
[الإنسان: 8] الآية.
الثالثة: الإنفاق مع الإيثار على النفس كهذه الآية
ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة
[الحشر: 9] فهي أخص من الخاص الأول.
وتعتبر المرتبة الأولى هي الحد الأدنى في الواجب، حتى قيل: إن المراد بها الزكاة. وهي تشمل النافلة، وتصدق على أدنى شيء ولو شق تمرة، وتدخل في قوله تعالى:
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره
[الزلزلة: 7] وتعتبر المرتبة الثالثة هي الحد الأقصى، لأنها إيثار للغير على خاصة النفس، والمرتبة الثانية هي الوسطى بينهما، وهي الحد الوسط بين الاكتفاء بأقل الواجب، وبين الإيثار على النفس وهي ميزان التوسط لعامة الناس، كما بينه تعالى بقوله:
ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط
[الإسراء: 29]. وكما امتدح الله تعالى قوما بالاعتدال في قوله:
والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما
[الفرقان: 67].
وهذا هو عين تطبيق قاعدة الفلسفة الأخلاقية القائلة: " الفضيلة وسط بين طرفين " أي طرفي الإفراط والتفريط. فالشجاعة مثلا وسط بين التهور والجبن، والكرم وسط بين التبذير والتقتير.
والإنفاق جوانب متعددة، وأحكام متفاوتة، قد بين الشيخ رحمه الله جانبا من الأحكام، وقد بين القرآن الجوانب الأخرى، وتنحصر في الآتي: نوع ما يقع منه الإنفاق، الجهة المنفق عليها، موقف المنفق، وصورة الإنفاق.
أما ما يقع منه الإنفاق: قد بينه تعالى أولا من كسب حلال لقوله تعالى:
يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم وممآ أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد
[البقرة: 267].
وقوله تعالى:
لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون
[آل عمران: 92].
أما الجهة المنفق عليها: فكما في قوله تعالى: