تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وللدوافع تأثير في الحكم، كما في قصة آدم وإبليس. فقد اشترك آدم وإبليس في عموم علة العصيان، إذ نهي آدم عن قربان الشجرة، وأمر إبليس بالسجود لآدم مع الملائكة، فأكل آدم مما نهي عنه، وامتنع إبليس عما أمر به فاشتركا في العصيان كما قال تعالى عن آدم:

وعصى ءادم ربه فغوى

[طه: 121]، وقال عن إبليس:

ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك

[الأعراف: 12]، ولكن السبب كان مختلفا، فآدم نسي ووقع تحت وسوسة الشيطان فخدع بقسم إبليس بالله تعالى:

وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين

[الأعراف: 21]، وكانت معصية عن إغواء ووسوسة

فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه

[البقرة: 36].

أما إبليس، فكان عصيانه عن سبق إصرار، وعن حسد واستكبار كما قال تعالى:

وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين

[البقرة: 34]، ولما خاطبه الله تعالى بقوله:

قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين

[ص: 75] قال في إصراره وحسده وتكبره:

قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين

[ص: 76].

فاختلفت الدوافع، وكان لدى إبليس ما ليس لدى آدم في سبب العصيان وبالتالي اختلفت النتائج، فكانت النتيجة مختلفة تماما. أما آدم فحين عاتبه على أكله من الشجرة في قوله تعالى:

وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما عدو مبين

[الأعراف: 22] رجعا حالا واعترفا بذنبهما قائلين:

قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين

[الأعراف: 23] وكانت العقوبة لهما قوله تعالى:

قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين

[الأعراف: 24].

فكان هبوط آدم مؤقتا ولحقه قوله تعالى:

قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون

[البقرة: 38]، فأدركته هداية الله، ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى:

فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم

[البقرة: 37].

أما نتيجة إبليس فلما عاتبه تعالى في معصيته في قوله تعالى:

قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين

[ص: 75] كان جوابه استعلاء، وتعاظما، على النقيض مما كان في جواب آدم إذ قال:

قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين

[ص: 76]، فكان جوابه كذلك عكس ما كان جوابا على آدم

قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين

[ص: 77-78].

ولقد قالوا: إن الذي جر على إبليس هذا كله هو الحسد، حسد آدم على ما أكرمه الله به فاحتقره وتكبر عليه، فوقع في العصيان، وكانت نتيجته الطرد.

وهكذا اليهود: إن داءهم الدفين هو الحسد والعجب بالنفس، فجرهم إلى الكفر، ووقعوا في الخيانة، وكانت النتيجة القتل والطرد.

وقد بين الشيخ - رحمه الله - أن مشاقة اليهود هذه هي من الإفساد في الأرض الذي نهاهم الله عنه، وعاقبهم عليه مرتين، وتهددهم إن هم عادوا للثالثة عاد للانتقام منهم، وها هم قد عادوا، وشاقوا الله ورسوله، فسلط عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين.

قال رحمه الله في سورة الإسراء عند قوله تعالى:

وإن عدتم عدنا

[الإسراء: 8]، لما بين تعالى أن بني إسرائيل قضي إليهم في الكتاب أنهم يفسدون في الأرض مرتين - وبين نتائج هاتين المرتين - بين تعالى أيضا: أنهم إن عادوا للإفساد في المرة الثالثة، فإنه جل وعلا يعود للانتقام منهم بتسليط أعدائهم عليهم، وذلك في قوله: ﴿ وإن عدتم عدنا ﴾ ، ولم يبين هنا هل عادوا للإفساد في المرة الثالثة أم لا؟

ولكنه أشار في آيات أخر إلى أنهم عادوا للإفساد بتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم، وكتم صفاته، ونقض عهوده ومظاهرة عدوه عليه، إلى غير ذلك من أفعالهم القبيحة، فعاد الله جل وعلا للانتقام منهم تصديقا لقوله: ﴿ وإن عدتم عدنا ﴾ فسلط عليهم نبيه صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وجرى على بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع وخيبر، ما جرى من القتل والسلب والإجلاء، وضرب الجزية على من بقي منهم، وضرب الذلة والمسكنة.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٢١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٢١١