والثاني: أن كون المقسم به المعبر عنه بالنجوم، هو القرآن العظيم أنسب لقوله بعده:
وإنه لقسم لو تعلمون عظيم
[الواقعة: 76]، لأن هذا التعظيم من الله يدل على أن هذا المقسم به في غاية العظمة.
ولا شك أن القرآن الذي هو كلام الله أنسب لذلك من نجوم السماء ونجم الأرض. والعلم عند الله تعالى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ ما ضل صاحبكم وما غوى ﴾ ،قال بعض العلماء: الضلال يقع من الجهل بالحق، والغيي هو العدول عن الحق مع معرفته، أي ما جهل الحق وما عدل عنه، بل هو عالم بالحق متبع له.
وقد قدمنا إطلاقات الضلال في القرآن بشواهدها العربية في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى:
قال فعلتهآ إذا وأنا من الضالين
[الشعراء: 20] وفي سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم
[الكهف: 103-104] الآية.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كونه صلى الله عليه وسلم على هدى مستقيم، جاء موضحا في آيات كثيرة، من كتاب الله كقوله تعالى:
فتوكل على الله إنك على الحق المبين
[النمل: 79] وقوله تعالى
فلا ينازعنك في الأمر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم
[الحج: 67] وقوله تعالى:
وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم
[الشورى: 52].
وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى:
فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم
[الزخرف: 43]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة
إن هو إلا وحي يوحى
[النجم: 4] استدل به علماء الأصول على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجتهد، والذين قالوا إنه قد يقع منه الاجتهاد، استدلوا بقوله تعالى:
عفا الله عنك لم أذنت لهم
[التوبة: 43] الآية. وقوله تعالى:
ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض
[الأنفال: 67] الآية. وقوله تعالى:
ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين
[التوبة: 113] الآية.
قالوا: فلو لم يكن هذا عن اجتهاد، لما قال ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم ﴾ الآية. ولما قال: ﴿ ما كان لنبي أن يكون له أسرى ﴾ ، ولا منافاة بين الآيات، لأن قوله: ﴿ إن هو إلا وحي يوحى ﴾ معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يبلغ عن الله إلا شيئا أوحى الله إليه أن يبلغه، فمن يقول: إنه شعر أو سحر أو كهانة، أو أساطير الأولين هو أكذب خلق الله وأكفرهم، ولا ينافي ذلك أنه أذن للمتخلفين عن غزة تبوك، وأسر الأسارى يوم بدر، واستغفر لعمه أبي طالب من غير أن ينزل عليه وحي خاص في ذلك، وقد أوضحنا هذا في غير هذا الموضع.