تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

51.56

اختلف العلماء في معنى قوله ﴿ ليعبدون ﴾ ، فقال بعضهم المعنى ما خلقتهم إلا ليعبدني السعداء منهم ويعصيني الأشقيا، فالحكمة المقصودة من إيجاد الخلق التي هي عبادة الله حاصلة بفعل السعداء منهم كما يدل عليه قوله تعالى:

فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين

[الأنعام: 89]، وهذا القول نقله ابن جرير عن زيد بن أسلم وسفيان.

وغاية ما يلزم على هذا القول أنه أطلق فيها المجموع وأراد بعضهم.

وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، ومن أوضحها قراءة حمزة والكسائي، فإن قتلوكم فاقتلوهم، من القتل لا من القتال، وقد بينا هذا في مواضع متعددة، وذكرنا أن من شواهده العربية قول الشاعر:

فسيف بني عبس وقد ضربوا به

نبا من يدي ورقاء عن رأس خالد

فتراه نسب الضرب لبني عبس مع تصريحه أن الضارب الذي نبا بيده السيف عن رأس خالد يعني ابن جعفر الكلابي، هو ورقاء يعني ابن زهير العبسي.

وقد قدمنا في الحجرات أن من ذلك قوله تعالى

قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا

[الحجرات: 14] الآية بدليل قوله:

ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر

[التوبة: 99] - إلى قوله -

سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم

[التوبة: 99].

وقال بعض العلماء: معنى قوله: ﴿ إلا ليعبدون ﴾: أي " إلا ليقروا لي بالعبودية طوعا أو كرها " لأن المؤمن يطيع باختياره والكافر مذعن منقاد لقضاء ربه جبرا عليه، وهذا القول رواه ابن جرير عن ابن عباس واختاره، ويدل له قوله تعالى:

ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها

[الرعد: 15] الآية، والسجود والعبادة كلاهما خضوع وتذلل لله جل وعلا، وقد دلت الآية على أن بعضهم يفعل ذلك طوعا وبعضهم يفعله كرها.

وعن مجاهد أنه قال: ﴿ إلا ليعبدون ﴾: أي إلا ليعرفوني. واستدل بعضهم لهذا القول بقوله:

ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله

[الزخرف: 87] ونحو ذلك من الآيات. وهو كثير في القرآن، وقد أوضحنا كثرته فيه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى:

إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم

[الإسراء: 9].

وقال بعض أهل العلم: وهو مروي عن مجاهد أيضا معنى قوله: ﴿ إلا ليعبدون ﴾: أي إلا لآمرهم بعبادتي فيعبدني من وفقته منهم لعبادتي دون غيره، وعلى هذا القول: فإرادة عبادتهم المدلول عليهم باللام في قوله: ﴿ ليعبدون ﴾ إرادة دينية شرعية وهي الملازمة للأمر، وهي عامة لجميع من أمرتهم الرسل لطاعة الله الا إرادة كونية قدرية، لأنها لو كانت كذلك لعبده جميع الإنس والجن، والواقع خلاف ذلك بدليل قوله تعالى

قل يأيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون مآ أعبد

[الكافرون: 1-3] إلى آخر السورة.

قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق إن شاء الله في معنى هذه الآية الكريمة ﴿ إلا ليعبدون ﴾ في إلا لآمرهم بعبادتي وأبتليهم أي أختبرهم بالتكاليف ثم أجازيهم على أعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وإنما قلنا إن هذا هو التحقيق في معنى الآية، لأنه تدل عليه آيات محكمات من كتاب الله، فقد صرح تعالى في آيات من كتابه أنه خلقهم ليبتليهم أيهم أحسن عملا، وأنه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم.

قال تعالى في أول سورة هود:

وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على المآء

[هود: 7]، ثم بين الحكمة في ذلك فقال:

ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذآ إلا سحر مبين

[هود: 7].

وقال تعالى في أول سورة الملك:

الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا

[الملك: 2].

وقال تعالى في أول سورة الكهف:

إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا

[الكهف: 7]الآية.

فتصريحه جل وعلا في هذه الآيات المذكورة بأن حكمة خلقه للخلق، هي ابتلاؤهم أيهم أحسن عملا، يفسر قوله ﴿ ليعبدون ﴾. وخير ما يفسر به القرآن القرآن.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢١٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢١٢١