ومعلوم أن نتيجة العمل المقصود منه لا تتم إلا بجزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولذا صرح تعالى بأن حكمة خلقهم أولا وبعثهم ثانيا، هو جزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وذلك في قوله تعالى في أول يونس:
إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون
[يونس: 4]، وقوله في النجم:
ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى
{ النجم: 31].
وقد أنكر تعالى على الإنسان حسبانه وظنه أنه يترك سدى، أي مهملا، لم يؤمر ولم ينه، وبين أنه ما نقله من طور إلى طور حتى أوجده إلا ليبعثه بعد الموت أي ويجازيه على عمله، قال تعالى:
أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يك نطفة من مني يمنى
[القيامة: 36-37] - إلى قوله -
أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى
[القيامة: 40].
والبراهين على البعث دالة على الجزاء، وقد نزه تعالى نفسه عن هذا الظن الذي ظنه الكفار به تعالى، وهو أنه لا يبعث الخلق ولا يجازيهم منكرا ذلك عليهم في قوله:
أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم
[المؤمنون: 115-116].
وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في أول سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى:
ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق وأجل مسمى
[الأحقاف: 3].
تنبيه
اعلم أن الآيات الدالة على حكمة خلق الله للسماوات والأرض وأهلهما وما بينهما قد يظن غير المتأمل أن بينهما اختلافا، والواقع خلاف ذلك. لأن كلام الله لا يخالف بعضه بعضا، وإيضاح ذلك أن الله تبارك وتعالى ذكر في بعض الآيات أن حكمة خلقه للسماوات والأرض هي إعلام خلقه بأنه قادر على كل شيء، وأنه محيط بكل شيء علما، وذلك في قوله تعالى في آخر الطلاق:
الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما
[الطلاق: 12].
وذكر في مواضع كثيرة من كتابه أنه خلق الخلق ليبين للناس كونه هو المعبود وحده، كقوله تعالى
وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم
[البقرة: 163]، ثم أقام البرهان على أنه إله واحد بقوله بعده
إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار
[البقرة: 164] - إلى قوله -
لآيات لقوم يعقلون
[البقرة: 164] ولما قال:
ياأيها الناس اعبدوا ربكم
[البقرة: 21] بين أن خلقهم برهان على أنه المعبود وحده بقوله بعده
الذي خلقكم والذين من قبلكم
[البقرة: 21] الآية.
والاستدلال على أن المعبود واحد بكونه هو الخالق كثير جدا في القرآن، وقد أوضحنا الآيات الدالة عليه في أول سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى:
وخلق كل شيء فقدره تقديرا واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا
[الفرقان: 2-3]الآية، وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى
أم جعلوا لله شركآء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء
[الرعد: 16] الآية، وفي غير ذلك من المواضع.
وذكر في بعض الآيات أنه خلق السماوات والأرض ليبتلي الناس، وذلك في قوله:
وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على المآء ليبلوكم أيكم أحسن عملا
[هود: 7].
وذكر في بعض الآيات أنه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم وذلك في قوله:
إنه يبدأ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط
[يونس: 4] الآية، وذكر في آية الذاريات هذه أنه ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه، فقد يظن غير العالم أن بين هذه الآيات اختلافا مع أنها لا اختلاف بينها، لأن الحكم المذكور فيها كلها راجع إلى شيء واحد، وهو معرفة الله وطاعته ومعرفة وعده ووعيده، فقوله:
لتعلموا أن الله على كل شيء قدير