ثم قال تعالى وهو محل الشاهد
أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفآء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون
[النمل: 62].
فهذه المذكورات التي هي إجابة المضطر إذا دعا، وكشف السوء وجعل الناس خلفاء في الأرض من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال بعدها أإله مع الله قليلا ما تذكرون.
فتأمل قوله تعالى: ﴿ أإله مع الله ﴾ مع قوله:
أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء
[النمل: 62] تعلم أن إجابة المضطرين إذا التجؤوا ودعوا وكشف السوء عن المكروبين، لا فرق في كونه من خصائص الربوبية، بينه وبين خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء وإنبات النبات، ونصب الجبال وإجراء الأنهار، لأنه جل وعلا ذكر الجميع بنسق واحد في سياق واحد، وأتبع جميعه بقوله:
أإله مع الله
[النمل: 60-64].
فمن صرف شيئا من ذلك لغير الله توجه إليه الإنكار السماوي الذي هو في ضمن قوله: ﴿ أإله مع الله ﴾ فلا فرق ألبتة بين تلك المذكورات في كونها كلها من خصائص الربوبية.
ثم قال تعالى:
أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرى بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون
[النمل: 63].
فهذه المذكورات التي هي هدي الناس في ظلمات البر والبحر، وإرسال الرياح بشرا، أي مبشرات، بين يدي رحمته التي هي المطر، من خصائص ربوبيته جل وعلا.
ولذا قال تعالى: ﴿ أإله مع الله ﴾ ، ثم نزه جل وعلا نفسه عن أن يكون معه إله يستحق شيئا مما ذكر فقال جل وعلا: ﴿ تعالى الله عما يشركون ﴾.
ثم قال تعالى:
أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السمآء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين
[النمل: 64].
فهذه المذكورات التي هي بدء خلق الناس وإعادته يوم البعث، ورزقه للناس من السماء بإنزال المطر، ومن الأرض بإنبات النبات، من خصائص ربوبيته جل وعلا ولذا قال بعدها ﴿ أإله مع الله ﴾.
ثم عجز جل وعلا كل من يدعي شيئا من ذلك كله لغير الله، فقال آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يخاطبهم بصيغة التعجيز:
قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين
[النمل: 64].
وقد اتضح من هذه الآيات القرآنية، أن إجابة المضطرين الداعين، وكشف السوء عن المكروبين، من خصائص الربوبية كخلق السماوات والأرض وإنزال الماء، وإنبات النبات، والحجز بين البحرين إلى آخر ما ذكر.
وكون إجابة المضطرين وكشف السوء عن المكروبين من خصائص الربوبية، كما أوضحه تعالى في هذه الآيات من سورة النمل جاء موضحا في آيات أخر، كقوله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم:
وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رآد لفضله يصيب به من يشآء من عباده
[يونس: 107].
وقوله تعالى:
وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير
[الأنعام: 17].
وقوله تعالى:
ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له
[فاطر: 2] الآية.
فعلينا معاشر المسلمين أن نتأمل هذه الآيات القرآنية ونعتقد ما تضمنته ونعمل به لنكون بذلك مطيعين لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم معظمين لله ولرسوله، لأن أعظم أنواع تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو اتباعه والاقتداء به، في إخلاص العبادة لله جل وعلا وحده.
فإخلاص العبادة له جل وعلا وحده، هو الذي كان يفعله صلى الله عليه وسلم ويأمر به وقد قال تعالى:
ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين
[البينة: 5] وقال تعالى:
قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين
[الزمر: 11]إلى قوله:
قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه
[الزمر: 11-15].
واعلم أن الكفار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعلمون علما يقينا أن ما ذكر من إجابة المضطر وكشف السوء عن المكروب، من خصائص الربوبية وكانوا إذا دهمتهم الكروب، كإحاطة الأمواج بهم في البحر، في وقت العواصف يخلصون الدعاء لله وحده، لعلمهم أن كشف ذلك من خصائصه فإذا أنجاهم من الكرب رجعوا إلى الإشراك.