تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

49.2

سبب نزول هذه الآية الكريمة، أنه لما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وفد تميم، أشار عليه أبو بكر رضي الله عنه أن يؤمر عليهم القعقاع بن معبد بن زرارة بن عدس، وأشار عليه عمر أن يؤمر عليه الأقرع بن حابس بن عقال.

فقال له أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال عم: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما فأنزل الله: ﴿ لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ﴾ ذكره البخاري في صحيحه وغيره.

وهذه الآية الكريمة علم الله فيها المؤمنين أن يعظموا النبي صلى الله عليه وسلم ويحترموه، ويوقروه، فنهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وعن أن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض، أي ينادونه باسمه: يا محمد، يا أحمد، كما ينادي بعضهم بعضا.

وإنما أمروا أن يخاطبوه خطابا يليق بمقامه ليس كخطاب بعضهم لبعض، كأن يقولوا يا نبي الله أو يا رسول الله ونحو ذلك.

وقوله: ﴿ أن تحبط أعمالكم ﴾ أي لا تفعلوا ذلك لئلا تحبط أعمالكم، أو ينهاكم عن ذلك كراهة أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون أي لا تعلمون بذلك.

وما تضمنته هذه الآية الكريمة من لزوم توقير النبي صلى الله عليه وسلم، وتعظميه واحترامه جاء مبينا في مواضع أخر كقوله تعالى:

لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه

[الفتح: 9] على القول بأن الضمير في تعزروه وتوقروه للنبي صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى

لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا

[النور: 63] كما تقدم وقوله تعالى

فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه

[الأعراف: 157] الآية. وقول هنا:

ولا تجهروا له بالقول

[الحجرات: 2] أي لا تنادوه باسمه: كيا محمد.

وقد دلت آيات من كتاب الله على أن الله تعالى لا يخاطبه في كتابه باسمه، وإنما يخاطبه بما يدل على التعظيم والتوقير، كقوله:

يأيها النبي

[الأنفال: 64-65-70].

يأيها الرسول

[المائدة: 41-67].

يأيها المزمل

[المزمل: 1].

يأيها المدثر

[المدثر: 1] مع أنه ينادي غيره من الأنبياء بأسمائهم كقوله

وقلنا ياآدم

[البقرة: 35]. وقوله:

وناديناه أن يإبراهيم

[الصافات: 104] وقوله:

قال ينوح إنه ليس من أهلك

[هود: 46].

قيل

قيل ينوح اهبط بسلام منا

[هود: 48]. وقوله:

قال يموسى إني اصطفيتك على الناس

[الأعراف: 144] وقوله:

إذ قال الله يعيسى إني متوفيك

[آل عمران: 55] وقوله:

يداوود إنا جعلناك خليفة

[ص: 26].

أما النبي صلى الله عليه وسلم فلم يذكر اسمه في القرآن في خطاب، وإنما يذكر في غير ذلك كقوله:

وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل

[آل عمران: 144]. وقوله:

وآمنوا بما نزل على محمد

[محمد: 2]. وقوله:

محمد رسول الله والذين معه

[الفتح: 29].

وقد بين تعالى أن توقيره واحترامه صلى الله عليه وسلم بغض الصوت عنده لا يكون إلا من الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، أي أخلصها لها وأن لهم بذلك عند الله المغفرة والأجر العظيم، وذلك في قوله تعالى:

إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم

[الحجرات: 3].

وقال بعض العلماء في قوله: ﴿ ولا تجهروا له بالقول ﴾ أي لا ترفعوا عنده الصوت كرفع بعضكم صوته عند بعض.

قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه الآية ما نصه: وفي هذا دليل على أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا، حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة، أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوة، وجلالة مقدارها وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها. انتهى محل الغرض منه.

وظاهر هذه الآية الكريمة أن الإنسان قد يحبط عمله وهو لا يشعر، وقد قال القرطبي: إنه لا يحبط عمله بغير شعوره وظاهر الآية يرد عليه.

وقد قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية، ما نصه: وقوله عز وجل: ﴿ أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ﴾ أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري، كما جاء في الصحيح

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢٠٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢٠٩٣