قوله تعالى: ﴿ فأخذتهم صاعقة العذاب الهون ﴾ الآية.
الفاء في قوله: فأخذتهم سببية، أي فاستحبوا العمى على الهدى، وبسبب ذلك، أخذتهم صاعقة العذاب الهون.
واعلم أن الله جل وعلا عبر عن الهلاك الذي أهلك به ثمود، بعبارات مختلفة، فذكره هنا باسم الصاعقة في قوله: ﴿ فأخذتهم صاعقة العذاب الهون ﴾ وقوله:
فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود
[فصلت: 13].
وعبر عنه أبضا بالصاعقة في سورة الذاريات في قوله تعالى:
وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون
[الذارايات: 4344]. وعبر عنه بالصيحة في آيات من كتابه، كقوله تعالى في سورة هود، في إهلاكه ثمود:
وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين كأن لم يغنوا فيهآ ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود
[هود: 6768] وقوله تعالى في الحجر:
وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين فأخذتهم الصيحة مصبحين
[الحجر: 8283] وقوله تعالى في القمر:
إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر
[القمر: 31]. وقوله تعالى في العنكبوت
ومنهم من أخذته الصيحة
[العنكبوت: 40] يعني به ثمودا المذكورين في قوله قبله:
وعادا وثمودا وقد تبين لكم من مساكنهم
[العنكبوت: 38] الآية.
وعبر عنه بالرجفة، في سورة الأعراف في قوله تعالى:
فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنآ إن كنت من المرسلين فأخذتهم الرجفة
[الأعراف: 7778] الآية.
وعبر عنه بالتدمير في سورة النمل، في قوله تعالى:
فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين
[النمل: 51].
وعبر عنه بالطاغية في الحاقة في قوله تعالى:
فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية
[الحاقة: 5].
وعبر عنه بالدمدمة في الشمس في قوله تعالى:
فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها
[الشمس: 14].
وعبر عنه بالعذاب، في سورة الشعراء، في قوله تعالى:
فعقروها فأصبحوا نادمين فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية
[الشعراء: 157158] الآية.
ومعنى هذه العبارات كلها راجع إلى شيء واحد، وهو أن الله أرسل عليهم صيحة أهلكتهم، والصيحة الصوت المزعج المهلك.
والصاعقة تطلق أيضا على الصوت المزعج المهلك، وعلى النار المحرقة، وعليهما معا، ولشدة عظم الصيحة وهو لها من فوقهم، رجفت بهم الأرض من تحتهم، أي تحركت حركة قوية، فاجتمع فيها أنها صيحة وصاعقة ورجفة، وكون ذلك تدميرا واضح. وقيل لها طاغية، لأنها واقعة مجاوزة للحد في القوة وشدة الإهلاك.
والطغيان في لغة العرب: مجاوزة الحد.
ومنه قوله تعالى:
إنا لما طغا المآء
[الحاقة: 11] الآية. أي جاوز الحدود التي يبلغها الماء عادة.
واعلم أن التحقيق، أن المراد بالطاغية في قوله تعالى:
فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية
[الحاقة: 5] أنها الصيحة التي أهلكهم الله بها، كما يوضحه قوله بعده:
وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية
[الحاقة: 6].
خلافا لمن زعم أن الطاغية، مصدر كالعاقبة، والعافية، وأن المعنى أنهم أهلكوا بطغيانهم، أي بكفرهم، وتكذيبهم نبيهم، كقوله:
كذبت ثمود بطغواهآ
[الشمس: 11].
وخلافا لمن زعم أن الطاغية هي أشقاهم، الذي انبعث فعقر الناقة، وأنهم أنهم أهلكوا بسبب فعله وهو عقره الناقة، وكل هذا خلاف التحقيق.
والصواب إن شاء الله هو ما ذكرنا، والسياق يدل عليه واختاره غير واحد.
وأما قوله تعالى:
فدمدم عليهم ربهم بذنبهم
[الشمس: 14] فإنه لا يخالف ما ذكرنا، لأن معنى دمدم عليهم ربهم بذنبهم، أي أطلق عليهم العذاب وألبسهم إياه، بسبب ذنبهم.
قال الزمخشري في معنى دمدم: وهو من تكرير قولهم ناقة مدمومة، إذا ألبسها الشحم.
وأما إطلاق العذاب عليه في سورة الشعراء فواضح، فاتضح رجوع معنى الآيات المذكورة إلى شيء واحد.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿ صاعقة العذاب الهون ﴾ من النعت بالمصدر، لأن الهون مصدر بمعنى الهوان، والنعت بالمصدر أسلوب عربي معروف، أشار إليه في الخلاصة بقوله: