وذلك مما يبين أن الطبع والأكنة يؤول معناهما إلى شيء واحد، وهو ما ينشأ عن كل منهما من عدم الفهم.
لأنه قال في الطبع
فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون
[المنافقون: 3].
وقال في الأكنة:
وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه
[الأنعام: 25] أي كراهة أن يفقهوه، أو لأجل ألا يفقهوه، كما قدمنا إيضاحه.
وكقوله تعالى:
فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم
[الصف: 5] فبين أن زيغهم الأول، كان سببا لإزاغة الله قلوبهم، وتلك الإزاغة قد تكون بالأكنة والطبع والختم على القلوب.
وكقوله تعالى:
في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا
[البقرة: 10] وقوله تعالى:
ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة
[الأنعام: 110] الآية. وقوله تعالى:
وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم
[التوبة: 125] الآية.
وإيضاح هذا الجواب: أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ [فصلت: 5] يقصدون بذلك إخباره صلى الله عليه وسلم بأنهم لا يؤمنون به بوجه، ولا يتبعونه بحال، ولا يقرون بالحق الذي هو كون كفرهم هذا هو الجريمة، والذنب الذي كان سببا في الأكنة، والوقر والحجاب.
فدعواهم كاذبة، لأن الله جعل لهم قلوبا يفهمون بها، وآذانا يسمعون بها، خلافا لما زعموا، ولكنه، سبب لهم الأكنة، والوقر والحجاب، بسبب مبادرتهم إلى الكفر، وتكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم.
وهذا المعنى أوضحه رده تعالى على اليهود في قوله عنهم:
وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم
[النساء: 155].
وقد حاول الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة، الجواب على الإشكال المذكور فقال: فإن قيل إنه تعالى حكى هذا المعنى عن الكفار فقال في معرض الذم، وذكر أيضا ما يقرب منه في معرض الذم، فقال:
وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم
[البقرة: 88] ثم إنه تعالى ذكر هذه الأشياء الثلاثة بعينها في معنى التقرير والإثبات في سورة الأنعام، فقال:
وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا
[الأنعام: 25] فكيف الجمع بينهما؟
قلنا: إنه لم يقل ها هنا إنهم كذبوا في ذلك، إنما الذي ذمهم عليه، أنهم قالوا إنا إذا كنا كذلك، لم يجز تكليفنا وتوجيه الأمر والنهي علينا، وهذا الثاني باطل.
أما الأول: فلأنه ليس في الآية ما يدل على أنهم كذبوا فيه. اه منه. والأظهر: هو ما ذكرنا.
قال صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿ ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ [فصلت:5].
فإن قلت: هل لزيادة: من في قوله: ومن بيننا وبينك حجاب فائدة؟ قلت: نعم.
لأنه لو قيل: وبيننا وبينك حجاب، لكان المعنى أن حجابا حاصل وسط الجهتين.
وأما بزيادة " من " فالمعنى: أن حجابا ابتدأ منا وابتدأ منك.
فالمسافة المتوسطة لجهتنا، وجهتك مستوعبة بالحجاب، لا فراغ فيها. انتهى منه.
واستحسن كلامه هذا الفخر الرازي وتعقبه ابن المنير على الزمخشري، فأوضح سقوطه والحق معه في تعقبه عليه.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ ومن بيننا وبينك حجاب ﴾ [فصلت: 5]، وقد قدمنا تفسيره وإيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى:
وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا
[الإسراء: 45].