وقال مالك وزفر: لا يجزئ، لأنهما عضوان فيهما الدية، فأشبها اليدين، ولنا أن قطعهما لا يضر بالعمل الضرر البين، فلم يمنع كنقص السمع، بخلاف اليدين، ويجزئ مقطوع الأنف لذلك، ويجزئ الأصم إذا فهم بالإشارة والأخرس إذا فهمت إشارته وفهم الإشارة، وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور.
وقال أصحاب الرأي: لا يجزئ، لأن منفعة الجنس ذاهبة، فأشبه زائل العقل، وهذا المنصوص عليه عن أحمد، لأن الخرس نقص كثير يمنع كثيرا من الأحكام مثل القضاء والشهادة. وأكثر الناس لا يفهم إشارته فيتضرر في ترك استعماله، وإن اجتمع الخرس والصمم. فقال القاضي: لا يجزئ، وهو قول بعض الشافعية لاجتماع النقصين فيه وذهاب منفعتي الجنس، ووجه الأجزاء أن الإشارة تقوم مقام الكلام في الإفهام، ويثبت في حقه أكثر الأحكام، فيجزئ لأنه لا يضر بالعمل ولا بغيره.
وأما المريض فإن كان مرجو البرء كالحمى وما أشبهها أجزأ في الكفارة، وإن كان غير مرجو الزوال لم يجز.
وأما نضو الخلق يعني النحيف المهزول خلقة، فإن كان يتمكن من العمل أجزأ وإلا فلا. ويجزئ الأحمق وهو الذي يصنع الأشياء لغير فائدة، ويرى الخطأ صوابا. وكذلك يجزئ من يخنق في بعض الأحيان. والخصي والمجبوب، والرتقاء والكبير الذي يقدر على العمل، لأن ما لا يضر بالعمل لا يمنع تمليك العبد منافعه، وتكميل أحكامه، فيحصل الإجزاء به، كالسالم من العيوب. انتهى من المغني مع حذف يسير لا يضر بالمعنى.
ثم قال صاحب المغني: ويجزئ عتق الجاني والمرهون وعتق المفلس عبده، وإذا قلنا بصحة عتقهم، وعتق المدبر والخصي وولد الزنا لكمال العتق فيهم ولا يجزئ عتق المغصوب، لأنه لا يقدر على تمكينه من منافعه، ولا غائب غيبة منقطعة لا يعلم خبره، لأنه لا تعلم حياته فلا تعلم صحة عتقه، وإن لم ينقطع خبره أجزأ عتقه، لأنه عتق صحيح.
ولا يجزئ عتق الحمل، لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا، ولذلك لم تجب فطرته، ولا يتيقن أيضا وجوده وحياته. ولا عتق أم الولد، لأن عتقها مستحق بسبب غير الكفارة والملك فيها غير كامل، ولهذا لم يجز بيعها.
وقال طاوس والبتي: يجزئ عتقها، لأنه عتق صحيح. ولا يجزئ عتق مكاتب أدى من كتابته شيئا. انتهى كلام صاحب المغني، وقد ذكر فيه غالب ما في مذاهب الأئمة الأربعة في المسألة.
ومعلوم أن مذهب مالك رحمه الله: اشتراط الإيمان في رقبة الظهار، واشتراط سلامتها من العيوب المضرة، فلا يجوز عنده عتق جنين في بطن أمه، وإن وضعته عتق من غير إجزاء عن الكفارة.
ولا يجزئ عنده مقطوع اليد الواحدة أو الأصبعين أو الأصابع أو الإبهام أو الأذنين، أو أشل أو أجذم أو أبرص، أو أصم أو مجنون. وإن أفاق أحيانا ولا أخرس، ولا أعمى ولا مقعد، ولا مفلوج ولا يابس الشق ولا غائب منقطع خبره، ولا المريض مرضا يشرف به على الموت ولا الهرم هرما شديدا ولا الأعرج عرجا شديدا، ولا رقيق مشترى بشرط العتق لما يوضع من ثمنه في مقابلة شرط العتق، ولا من يعتق عليه بالملك كأبيه ولا عبد قال: إن اشتريته فهو حر فلو قال: إن اشتريته فهو حر عن ظهاري، ففيه لهم تأويلان بالإجزاء وعدمه.
ولا يجزئ عنده المدبر، ولا المكاتب، ولو أعتق شركا له في عبد، ثم قوم عليه نصيب شريكه لم يجزه عن ظهاره عنده، لأن عتق نصيب الشريك وجب عليه بحكم سراية العتق، وكذلك لو أعتق نصفه عن ظهاره، ثم بعد ذلك اشترى نصفه الآخر فأعتقه تكميلا لرقبة الظهار، لم يجزه على ظاهر المدونة لتبعيض العتق إن كان معسرا وقت عتق النصف الأول، ولأن عتق النصف الباقي يلزمه بالحكم، إن كان موسرا وقت عتق النصف الأول، ولو أعتق ثلاث رقاب عن أربع زوجات ظاهر منهن لم يجزه من ذلك شيء. لأنه لم تتعين رقبة كاملة عن واحدة منهن.
ويجزئ عند المالكية عتق المغصوب والمريض مرضا خفيفا، والأعرج عرجا خفيفا، ولا يضر عندهم قطع أنملة واحدة أو أذن واحدة، ويجزئ عندهم الأعور، ويكره عندهم الخصي، ويجوز عندهم عتق المرهون والجاني إن افتديا انتهى.