[البقرة: 185] ولم يقيده بتتابع ولا تفريق، مع أنه تعالى قيد صوم الظهار بالتتابع. وصوم التمتع بالتفريق، وليس أحدهما أقرب إلى صوم قضاء رمضان من الآخر، فلا يقيد بقيد واحد منهما بل يبقى على الاختيار. إن شاء تابعه، وإن شاء فرقه والعلم عند الله تعالى. انتهى من [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] مع زيادة يسيرة للإيضاح.
الفرع الثاني: اعلم أن أهل العلم اختلفوا في رقبة كفارة الظهار، هل يشترط فيها سلامتها من العيوب أو لا. فحكي عن داود الظاهري أنه جوز كل رقبة يقع عليها الاسم ولو كانت معيبة بكل العيوب، تمسكا بإطلاق الرقبة في قوله تعالى:
فتحرير رقبة
[المجادلة: 3]، قال: ظاهره ولو معيبة، لأن الله لم يقيد الرقبة بشيء.
وذهب أكثر أهل العلم إلى اشتراط السلامة من العيوب القوية مع اختلافهم في بعض العيوب. قالوا: يشترط سلامتها من العيوب المضرة بالعمل ضررا بينا، لأن المقصود تمليك العبد منافعه، وتمكينه من التصرف لنفسه، ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضررا بينا، فلا يجزئ الأعمى، لأنه لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع، ولا المقعد، ولا المقطوع اليدين أو الرجلين، لأن اليدين آلة البطش فلا يمكنه العمل مع فقدهما والرجلان آلة المشي،فلا يتهيأ له كثير من العمل مع تلفهما، والشلل كالقطع في هذا.
قالوا: ولا يجوز المجنون جنونا مطبقا، لأنه وجد فيه المعنيان: ذهاب منفعة الجنس، وحصول الضرر بالعمل. قاله في المغني، ثم قال: وبهذا كله قال الشافعي ومالك، وأبو ثور وأصحاب الرأي. انتهى محل الغرض منه.
وبه تعلم إجماع الأئمة الأربعة على اشتراط السلامة من مثل العيوب المذكورة.
وقال ابن قدامة في المغني: ولا يجزئ مقطوع اليد أو الرجل، ولا أشلهما ولا مقطوع إبهام اليد أو سبابتها أو الوسطى، لأن نفع اليد يذهب بذهاب هؤلاء، ولا يجزئ مقطوع الخنصر والبنصر، من يد واحدة، لأن نفع اليدين يزول أكثره بذلك. وإن قطعت كل واحدة من يد جاز، لأن من نفع الكفين باق وقطع أنملة الإبهام كقطع جميعها، فإن نفعها يذهب بذلك لكونها أنملتين، وإن كان من غير الإبهام لم يمنع، لأن منفعتها لا تذهب، فإنها تصير كالأصابع القصار، حتى لو كانت أصابعه كلها غير الإبهام قد قطعت من كل واحد منها أنملة لم يمنع، وإن قطع من الإصبع أنملتان فهو كقطعها، لأن يذهب بمنفعتها، وهذا جميعه مذهب الشافعي أي وأحمد.
وقال أبو حنيفة: يجزئ مقطوع إحدى الرجلين أو إحدى اليدين، ولو قطعت رجله ويده جميعا من خلاف
أجزأت لأن منفعة الجنس باقية، فأجزأت في الكفارة كالأعور، فأما إن قطعتا من وفاق: أي من جانب واحد لم يجز، لأن منفعة المشي تذهب، ولنا أن هذا يؤثر في العمل، ويضر ضررا بينا.
فوجب أن يمنع إجزاءها كما لو قطعتا من وفاق، ويخالف العور فإنه لا يضر ضررا بينا، والاعتبار بالضرر أولى من الاعتبار بمنفعة الجنس، فإنه لو ذهب شمه أو قطعت أذناه معا أجزأ مع ذهاب منفعة الجنس. ولا يجزئ الأعرج إذا كان عرجا كثيرا فاحشا، لأنه يضر بالعمل، فهو كطع الرجل إلى أن قال: ويجزئ الأعور في قولهم جميعا.
وقال أبو بكر: فيه قول الآخر: إنه لا يجزئ، لأنه نقص يمنع التضحية والإجزاء في الهدي، فأشبه العمى، والصحيح ما ذكرناه. فإن المقصود تكميل الأحكام وتمليك العبد المنافع، والعور لا يمنع ذلك، ولأنه لا يضر بالعمل فأشبه قطع إحدى الأذنين، ويفارق العمى فإنه يضر بالعمل ضررا بينا ويمنع كثيرا من الصنائع، ويذهب بمنعفة الجنس ويفارق قطع إحدى اليدين والرجلين. فإنه لا يعمل بإحداهما ما يعمل بهما، والأعور يدرك بإحدى العينين ما يدرك بهما.
وأما الأضحية والهدي، فإنه لا يمنع منهما مجرد العور، وإنما يمنع انخساف العين وذهاب العضو المستطاب، ولأن الأضحية يمنع فيها قطع الأذن والقرن، والعتق لا يمنع فيه إلا ما يضر بالعمل ويجزئ المقطوع الأذنين. وبذلك قال أبو حنيفة والشافعي.