تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالجواب: أنه إن ظاهر وجامع قبل التكفير يلزمه. الكف عن المسيس مرة أخرى، حتى يكفر، ولا يلزم من هذا جواز الجماع الأول قبل التكفير، لأن الآية على هذا القول، إنما بينت حكم ما إذا وقع الجماع قبل التكفير، وأنه وجوب التكفير قبل مسيس آخر، وأما الإقدام على المسيس الأول، فحرمته معلومة من عموم قوله تعالى:

من قبل أن يتمآسا

[المجادلة: 3].

ومعنى العود عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: هو العزم على الوطء، وعليه فلا إشكال كما تقدم. وما حكاه الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عن مالك من أنه حكى عنه أن العود الجماع، فهو خلاف المعروف من مذهبه، وكذلك ما حكاه عن أبي حنيفة من أن العود هو العود إلى الظهار بعد تحريمه، ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية، فهو خلاف المقرر في فروع الحنيفة من أنه العزم على الوطء كما ذكرنا، وغالب ما قيل في معنى العود راجع إلى ما ذكرنا من أقوال الأئمة رحمهم الله.

وقال بعض العلماء: المراد بالعود الرجوع إلى الاستمتاع بغير الجماع، والمراد بالمسيس في قوله:

من قبل أن يتمآسا

[المجادلة: 3] خصوص الجماع وعليه فلا إشكال، ولا يخفى عدم ظهور هذا القول.

والتحقيق عدم جواز الاستمتاع بوطء أو غيره قبل التكفير لعموم قوله: ﴿ من قبل أن يتمآسا ﴾ ، وأجاز بعضهم الاستمتاع بغير الوطء، قائلا: إن المراد بالمسيس في قوله: ﴿ من قبل أن يتمآسا ﴾ نفس الجماع لا مقدماته، وممن قال بذلك: الحسن البصري، والثوري، وروي عن الشافعي في أحد القولين.

وقال بعض العلماء اللام في قوله: لما قالوا بمعنى في أي يعودون فيما قالوا بمعنى يرجعون فيه، كقوله صلى الله عليه وسلم

" الواهب العائد في هبته "

الحديث. وقيل اللام بمعنى: عن: أي يعودون عما قالوا: أي يرجعون عنه، وهو قريب مما قبله.

قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن العود له مبدأ ومنتهى، فمبدؤه العزم على الوطء ومنتهاه الوطء بالفعل، فمن عزم على الوطء فقد عاد بالنية، فتلزمه الكفارة لإباحة الوطء، ومن وطئ بالفعل تحتم في حقه اللزوم، وخالف بالإقدام على الوطء قبل التكفير.

ويدل لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: لما قال

" إذا التقا المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. وقالوا: يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه "

فبين أن العزم على الفعل عمل يؤخذ به الإنسان.

فإن قيل: ظاهر الآية المتبادر، منها يوافق قول الظاهرية الذي قدمنا بطلانه، لأن الظاهر المتبادر من قوله: لما قالوا أنه صيغة الظهار، فيكون العود لها تكريرها مرة أخرى.

فالجواب: أن المعنى: لما قالوا أنه حرام عليهم، وهو الجماع، ويدل لذلك وجود نظيره في القرآن في قوله تعالى:

ونرثه ما يقول

[مريم: 80] أي ما يقول إنه يؤتاه من مال وولد في قوله:

لأوتين مالا وولدا

[مريم: 77]، وما ذكرنا من أن من جامع قبل التكفير، يلزمه الكف عن المسيس مرة أخرى، حتى يكفر، هو التحقيق خلافا لمن قال: تسقط الكفارة بالجماع قبل المسيس كما روي عن الزهرين وسعيد بن جبير، وأبي يوسف، ولمن قال: تلزم به كفارتان كما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وذكره بعضهم عن عمرو بن العاص وعبد الرحمن بن مهدي. ولمن قال تلزمه ثلاث كفارات، كما رواه سعيد بن منصور، عن الحسن، وإبراهيم. والعلم عند الله تعالى. انتهى بطوله من [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب].

المسألة الثالثة: أظهر قولي أهل العلم عندي أنه لو قال لها: أنت علي كظهر ابنتي، أو أختي، أو جدتي، أو عمتي أو أمي من الرضاع، أو أختي من الرضاع أو شبهها بعضو آخر غير الظهر، كأن يقول: أنت علي كرأس ابنتي أو أختي إلخ، أو كبطن من ذكر، أو فرجها، أو فخذها أن ذلك كله ظهار، إذ لا فرق في المعنى بينه، وبين أنت علي كظهر أمي، لأنه في جميع ذلك شبه امرأته بمن هي في تأبيد الحرمة كأمه، فمعنى الظهار محقق الحصول في ذلك.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ١٧٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ١٧٢٨