[المجادلة: 2]، وقد رأيت ما في سورة المجادلة، من الزيادة والإيضاح لما تضمنته آية الأحزاب هذه.
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى: قد علمت من القرآن أن الإقدام على الظهار من الزوجة حرام حرمة شديدة كما دل عليه قوله تعالى:
وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا
[المجادلة: 2] فما صرح الله تعالى، بأنه منكر وزور فحرمته شديدة كما ترى. وبين كونه كذبا وزورا بقوله:
ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم
[المجادلة: 2] وقوله تعالى: ﴿ ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم ﴾ [الأحزاب: 4].
وأشار بقوله تعالى:
وإن الله لعفو غفور
[المجادلة: 2] أن من صدر منه منكر الظهار وزوره، إن تاب إلى الله من ذلك توبة نصوحا غفر له ذلك المنكر والزور، وعفا عنه، فسبحانه ما أكرمه، وما أحلمه.
المسألة الثانية: في بيان العود الذي رتب الله عليه الكفارة في قوله:
ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتمآسا
[المجادلة: 3] وإزالة إشكال في الآية.
اعلم أن هذه المسألة قد بيناها في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] وسنذكر هنا كلامنا المذكور فيه تتميما للفائدة.
ففي دفع إيهام الاضطراب ما نصه قوله تعالى:
والذين يظاهرون من نسآئهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتمآسا
[المجادلة: 3]. لا يخفى أن ترتيبه تعالى الكفارة بالعتق على الظهار والعود معا يفهم منه أن الكفارة لا تلزم إلا بالظهار والعود معا. وقوله تعالى: ﴿ من قبل أن يتمآسا ﴾ صريح في أن التكفير يلزم كونه من قبل العود إلى المسيس.
اعلم أولا: أن ما رجحه ابن حزم من قول داود الظاهري، وحكاه ابن عبد البر عن بكير بن الأشج، والفراء، وفرقة من أهل الكلام وقال به شعبة: من أن معنى ﴿ ثم يعودون لما قالوا ﴾ هو عودهم إلى لفظ الظهار، فيكررونه مرة أخرى قول باطل، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل المرأة التي نزلت فيها آية الظهار، هل كرر زوجها صيغة الظهار أو لا، وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال كما تقدم مرارا.
والتحقيق أن الكفارة ومنع الجماع قبلها، لا يشترط فيهما تكرير صيغة الظهار، وما زعمه بعضهم أيضا من أن الكلام فيه تقديم وتأخير، وتقديره: " والذين يظهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ثم يعودون لما قالوا " سالمين من الإثم بسبب الكفارة غير صحيح أيضا لما تقرر في الأصول من وجوب الحمل على بقاء الترتيب، إلا لدليل. وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود:
كذاك تريب لإيجاب العمل
بما له الرجحان مما يحتمل
وسنذكر إن شاء الله الجواب عن هذا الإشكال على مذاهب الأئمة الأربعة رضي الله عنهم وأرضاهم.
فنقول وبالله تعالى نستعين: معنى العود عند مالك فيه قولان، تؤولت المدونة على كل واحد منهما وكلاهما مرجح.
الأول: أنه العزم على الجماع فقط.
الثاني: أنه العزم على الجماع وإمساك الزوجة معا، وعلى كلا القولين فلا إشكال في الآية.
لأن المعنى حينئذ: والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعزمون على الجماع أو عليه مع الإمساك، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا فلا منافاة بين العزم على الجماع، أو عليه مع الإمساك، وبين الإعتاق قبل المسيس.
وغاية ما يلزم على هذا القول حذف الإرادة، وهو واقع في القرآن كقوله تعالى:
إذا قمتم إلى الصلاة
[المائدة: 6] أي أردتم القيام إليها، وقوله تعالى:
فإذا قرأت القرآن
[النحل: 98] أي أردت قراءته:
فاستعذ بالله
[النحل: 98] الآية.
ومعنى العود عند الشافعي: أن يمسكها بعد المظاهرة زمانا يمكنه أن يطلقها فيه فلا يطلق، وعليه فلا إشكال في الآية أيضا، لأن إمساكه إياها الزمن المذكور، لا ينافي التكفير قبل المسيس، كما هو واضح.
ومعنى العود عند أحمد: هو أن يعود إلى الجماع أو يعزم عليه. أما العزم فقد بينا أنه لا إشكال في الآية على القول به، وأما على القول بأنه الجماع.