تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما تحليف الشاهد فهو مخصوص بهذه السورة عند قيام الريبة. وأما شهادة المدعي لنفسه واستحقاقه بمجرد اليمين، فإن الآية تضمنت نقل الأيمان إليهم عند ظهور اللوث بخيانة الوصيين. فيشرع لهما أن يحلفا ويستحقا، كما يشرع لمدعي الدم في القسامة أن يحلف ويستحق فليس هو من شهادة المدعي لنفسه، بل من باب الحكم له بيمينه القائمة مقام الشهادة لقوة جانبه. وأي فرق بين ظهور اللوث في صحة الدعوى بالدم، وظهوره في صحة الدعوى بالمال؟ وحكى الطبري: أن بعضهم قال: المراد بقوله:

اثنان ذوا عدل منكم

[المائدة: 106] الوصيان. قال: والمراد بقوله:

شهادة بينكم

[المائدة: 106] معنى الحضور لما يوصيهما به الموصي. ثم زيف ذلك. انتهى كلام (الفتح).

ولا يخفاك أن الآية بنفسها - مع ما ورد في نزولها - غنية عن تكلف إدخالها تحت القياس والقواعد والتمحل لتأويلها.

الخامس: في قوله تعالى:

من بعد الصلاة

[المائدة: 106] دلالة على تغليظ اليمين.

قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) وبعض المفسرين: ذهب الجمهور إلى وجوب التغليظ بالزمان والمكان. فأما في الزمان فبعد العصر. وأما في المكان: ففي المدينة عند المنبر، وبمكة بين الركن والمقام، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وبغيرهما بالمسجد الجامع. واتفقوا على أن ذلك في الدماء والمال الكثير، لا في القليل. انتهى.

وذهب الزيدية والحنفية والحنابلة إلى أن اليمين لا تغلظ بزمان ولا بمكان. وأخذوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم:

" البينة على المدعي واليمين على من أنكر "

، ولم يفصل. قالوا: وقوله تعالى في هذه الآية

من بعد الصلاة

[المائدة: 106] يحتمل أن ذكره لأنهم كانوا لا يعتادون الحكم إلا في ذلك الوقت.

قال بعض الزيدية: وهل التغليظ في المكان والزمان على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ قال الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة: المختار، التغليظ في الأيمان لفساد أهل الزمان. وذلك مروي عن أمير المؤمنين المرتضى وأبي بكر وعمر وعثمان وابن عباس ومالك والشافعي. قال: والمختار أنه مستحب غير واجب. انتهى.

وفي كتاب (الشهادات) من (صحيح البخاري) بابان في هذه المسألة. فليراجع مع شروحه.

السادس: قال ابن أبي الفرس: في قوله تعالى:

فيقسمان بالله

[المائدة: 106] دليل على أن (أقسم بالله) يمين، لا (أقسم) فقط.

السابع: في قوله تعالى:

ولا نكتم شهادة الله...

[المائدة: 106] الآية دليل على تحريم كتمان الشهادة. وذلك لا إشكال فيه.

الثامن: قال السيوطي: تخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة (يعني على قراءة الأوليان) لخصوص الواقعة التي نزلت لها. ثم ساق رواية البخاري السابقة. أي: وللإشارة إلى الاكتفاء باثنين من أقرب الورثة أيضا وإن كان فيهم كثرة.

غريبة

قال مكي في كتابه المسمى ب (الكشف): هذه الآيات الثلاث - عند أهل المعاني - من أشكل ما في القرآن إعرابا ومعنى وحكما وتفسيرا.

ولم يزل العلماء يستشكلونها ويكفون عنها.

قال: ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر، وقد ذكرناها مشروحة في كتاب مفرد.

قال ابن عطية: هذا كلام من لم يقع له النتاج في تفسيرها، وذلك بين من كتابه رحمه الله تعالى - يعني: من كتاب مكي.

قال القرطبي: ما ذكره مكي، ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضا.

قال السعدي في (حاشيته على الكشاف): واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعرابا ونظما وحكما... انتهى.

أقول:

هذه الآية الكريمة غنية بنفسها - مع ما ورد في سبب نزولها، وما قاله حبر الأمة وترجمان القرآن في معناها - عن التشكيك فيها، والتكلف لإدخالها تحت القواعد، والتمحل لتأويلها. فخذ ما نقلناه من محاسن تأويلها وكن من الشاكرين.

محاسن التأويل · الصفحة ٩٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٩٥٠