تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح): واستدل بالآية على جواز شهادة الكفار بناء على أن المراد بال (غير) الكفار. وخص جماعة القبول بأهل الكتاب وبالوصية وبفقد المسلم حينئذ منهم: ابن عباس وأبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وشريح، وابن سيرين، والأوزاعي، والثوري، وأبو عبيد، وأحمد - وهؤلاء أخذوا بظاهر الآية - وقوى ذلك حديث الباب - يعني: حديث ابن عباس المتقدم - فإن سياقه مطابق لظاهر الآية. وقيل: المراد بال (غير): العشيرة. والمعنى: (منكم) أي: من عشيرتكم

أو آخران من غيركم

[المائدة: 106] أي: من غير عشيرتكم، وهو قول الحسن واحتج له النحاس بأن لفظ (آخر) لا بد أن يشارك الذي قبله في الصفة، حتى لا يسوغ أن تقول: مررت برجل كريم ولئيم آخر. فعلى هذا فقد وصف (الاثنان) بالعدالة. فيتعين أن يكون (الآخران) كذلك. وتعقب بأن هذا - وإن ساغ في الآية الكريمة - لكن الحديث دل على خلاف ذلك. والصحابي إذا حكى سبب النزول كان ذلك في حكم الحديث المرفوع اتفاقا. وأيضا، ففي ما قال رد المختلف فيه بالمختلف فيه؛ لأن اتصاف الكافر بالعدالة مختلف فيه. وهو فرع قبول شهادته، فمن قبلها وصفه بها، ومن لا، فلا. واعترض أبو حيان على المثال الذي ذكره النحاس بأنه غير مطابق. فلو قلت: جاءني رجل مسلم وآخر كافر، صح. بخلاف ما لو قلت: جاءني رجل مسلم وكافر آخر. والآية من قبيل الأول لا الثاني. لأن قوله

أو آخران

[المائدة: 106] من جنس قوله

اثنان

[المائدة: 106]، لأن كلا منهما صفة (رجلان)، فكأنه قال: فرجلان اثنان ورجلان آخران.

وذهب جماعة من الأئمة إلى أن هذه الآية منسوخة. وأن ناسخها قوله تعالى:

ممن ترضون من الشهدآء

[البقرة: 282] واحتجوا بالإجماع على رد شهادة الفاسق. والكافر شر من الفاسق. وأجاب الأولون: بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وأن الجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. وبأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن. حتى صح عن ابن عباس وعائشة وعمرو بن شرحبيل وجمع من السلف؛ أن سورة المائدة محكمة. وعن ابن عباس؛ أن الآية نزلت فيمن مات مسافرا وليس عنده أحد من المسلمين، فإن اتهما استحلفا. أخرجه الطبري بإسناد رجاله ثقات.

وأنكر أحمد على من قال: إن هذه الآية منسوخة.

وصح عن أبي موسى الأشعري أنه عمل بذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم.

ورجح الفخر الرازي - وسبقه الطبري - لذلك؛ أن قوله تعالى:

يآ أيها الذين آمنوا

[المائدة: 106] خطاب للمؤمنين. فلما قال:

أو آخران

[المائدة: 106] وضح أنه أراد غير المخاطبين. فتعين أنهما من غير المؤمنين. وأيضا: فجواز استشهاد المسلم ليس مشروطا بالسفر. وأن موسى حكم بذلك فلم ينكره أحد من الصحابة. فكان حجة. انتهى كلام الحافظ.

وفي (فتح البيان): الحق أن الآية محكمة لعدم وجود دليل صحيح يدل على النسخ. وأما قوله تعالى:

ممن ترضون من الشهدآء

[البقرة: 282] وقوله:

وأشهدوا ذوى عدل منكم

[الطلاق: 2] فهما عامان في الأشخاص والأزمان والأحوال. وهذه الآية خاصة بحالة الضرب في الأرض وبالوصية وبحالة عدم الشهود المسلمين. ولا تعارض بين خاص وعام. انتهى.

وقد أطنب الرازي في (تفسيره) في الاحتجاج على عدم نسخها بوجوه عديدة، وجود الكلام - في أن المراد من (من غيركم) أي: من غير ملتكم - تجويدا فائقا.

الرابع: قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): ذهب الكرابيسي ثم الطبري وآخرون إلى أن المراد بالشهادة في الآية اليمين. قال: وقد سمى الله اليمين شهادة في آية اللعان. وأيدوا ذلك بالإجماع على أن الشاهد لا يلزمه أن يقول: أشهد بالله. وأن الشاهد لا يمين عليه أنه شهد بالحق. قالوا: فالمراد بالشهادة اليمين لقوله:

فيقسمان بالله

[المائدة: 106] أي: يحلفان. فإن عرف أنهما حلفا على الإثم رجعت اليمين على الأولياء. وتعقب بأن اليمين لا يشترط فيها عدد ولا عدالة، بخلاف الشهادة. وقد اشترطا في هذه القصة، فقوي حملها على أنها شهادة. وأما اعتلال من اعتل في ردها بأنها تخالف القياس والأصول - لما فيها من قبول شهادة الكافر وحبس الشاهد وتحليفه وشهادة المدعي لنفسه واستحقاقه بمجرد اليمين - فقد أجاب من قال به بأنه حكم بنفسه مستغن عن نظيره. وقد قبلت شهادة الكافر في بعض المواضع، كما في الطب، وليس المراد بالحبس السجن. وإنما المراد: الإمساك لليمين ليحلف بعد الصلاة.

محاسن التأويل · الصفحة ٩٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٩٤٩