وهذا انتصار على منع التكفير قبل الحنث مطلقا، وإن كانت اليمين على بر.
والأقوال الثلاثة في مذهب مالك، إلا أن القول المنصور هو المشهور. انتهى.
وقال الرازي: احتج الشافعي بهذه الآية على أن التكفير قبل الحنث جائز. لأنها دلت على أن كل واحد من الثلاثة كفارة لليمين عند وجود الحلف. فإن أداها بعد الحلف، قبل الحنث، فقد أدى الكفارة.
وقوله تعالى: ﴿ إذا حلفتم ﴾ فيه دقيقة. وهي التنبيه على أن تقديم الكفارة قبل اليمين لا يجوز. انتهى.
وفي (الصحيحين) من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير "
وعند أبي داود:
" فكفر عن يمينك ثم أت الذي هو خير ".
الثامن: قال السيوطي في (الإكليل): في قوله تعالى: ﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ استحباب ترك الحنث إلا إذا كان خيرا، أي: لما تقدم من حديث ابن سمرة، وهذا على أحد وجهين في الآية. والآخر النهي عن الإكثار من الحلف كما سبق. قال كثير:
قليل الألايا حافظ ليمينه
وإن سبقت منه الألية برت!
التاسع: حكمة تقديم الإطعام على العتق - مع أنه أفضل - من وجوه: أحدها: التنبيه من أول الأمر على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير لا على الترتيب. وإلا لبدئ بالأغلظ. ثانيها: كون الطعام أسهل لأنه أعم وجودا، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى يراعي التخفيف والتسهيل في التكاليف. وثالثها: كون الإطعام أفضل؛ لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام، ولا يكون هناك من يعطيه الطعام، فيقع في الضر. أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته، أفاده الرازي.
العاشر: سر إطعام العشرة، أنه بمنزلة الإمساك عن الطعام عشرة أيام العدد الكامل، الكاسرة للنفس المجترئة على الله تعالى. وسر الكسوة: كونه يجزي بستر العورة سر المعصية. وسر التحرير فك رقبة عن الإثم، وسر صوم الثلاثة، أن الصيام لما كان ضيرا بنفسه اكتفى فيه بأقل الجمع. أفاده المهايمي، قدس سره.
الحادي عشر: قال شمس الدين ابن القيم في (زاد المعاد): " كان صلى الله عليه وسلم يستثني في يمينه تارة، ويكفرها تارة، ويمضي فيها تارة. والاستثناء يمنع عقد اليمين. والكفارة تحلها بعد عقدها. ولهذا سماها الله (تحلة). وحلف صلى الله عليه وسلم في أكثر من ثمانين موضعا. وأمره الله سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع: فقال تعالى:
ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق
[يونس: 53] وقال تعالى:
وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم
[سبأ: 3] وقال تعالى:
زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير
[التغابن: 7]. وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي يذكر أبا بكر بن داود الظاهري ولا يسميه بالفقيه. فتحاكم إليه يوما هو وخصم له. فتوجهت اليمين على أبي بكر ابن داود. فتهيأ للحلف. فقال: له القاضي إسماعيل: وتحلف ومثلك يحلف يا أبا بكر؟ فقال: وما يمنعني عن الحلف؟ وقد أمر الله تعالى نبيه بالحلف في ثلاثة مواضع من كتابه. قال: أين ذلك؟ فسردها أبو بكر، فاستحسن ذلك منه جدا، ودعاه بالفقيه من ذلك اليوم.. انتهى.