" لا قوة إلا بالله! "
ثم قال له: وإن كان ما تتكلم به تريد مالا أعطيناك من الأموال حتى تكون أغنى رجل في قريش. فإن ذلك أهون علينا من تشتت كلمتنا وتفريق جماعتنا. وإن كان ما تدعوا إليه جنونا داويناك كما تداوي قيس بني ثعلبة مجنونهم. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: يا محمد..، ما تقول؟ وبم أرجع إلى قريش؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ حم * تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون * بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ﴾ - حتى بلغ إلى قوله: ﴿ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود ﴾ [فصلت: 1 - 13]. قال عتبة: فلما تكلم بهذا الكلام، فكأن الكعبة مالت حتى خفت أن تمس رأسي من أعجازها. وقام فزعا يجر رداءه. فرجع إلى قريش وهو ينتفض انتفاض العصفور. وقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي. فقالت قريش: لقد ذهبت من عندنا نشيطا ورجعت فزعا مرعوبا فما وراءك؟ قال: ويحكم! دعوني. إنه كلمني بكلام لا أدري منه شيئا، ولقد رعدت علي الرعدة حتى خفت على نفسي، وقلت: الصاعقة قد أخذتني.
.. فندموا على ذلك.
ومن أعلامه: أنه لما أراد الهجرة، خرج من مكة ومعه أبو بكر. فدخل غارا في جبل ثور ليستخفي من قريش. وقد طلبته وبذلت لمن جاء به مائة ناقة حمراء، فأعانه الله تعالى بإخفاء أثره. وأنبت على باب الغار ثمامة (وهي شجرة صغيرة). وألهمت العنكبوت فنسجت على باب الغار نسج سنين في طرفة عين. ولدغ أبو بكر هذه الليلة غير لدغة. فخرق ثيابه وجعلها في الشقوق. وسد بعضها بقدمه اتقاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وأقام فيه ثلاثة أيام ثم خرج منه. فلقيه سراقة بن مالك بن جعشم. وهو من جملة من توجه لطلبه, فقال له أبو بكر: هذا سراقة قد قرب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" اللهم! اكفنا سراقة "
فأخذت الأرض قوائم فرسه إلى إبطها. فقال سراقة: يا محمد، ادع الله أن يطلقني ولك علي أن أرد من جاء يطلبك، ولا أعين عليك أبدا! فقال:
" اللهم! إن كان صادقا فأطلق عن فرسه "
فأطلق الله عنه. ثم أسلم سراقة وحسن إسلامه.
هذا ما أورده الماوردي من الأعلام قبل الهجرة؛ ثم أورد ما وقع بعدها؛ وسننقلها عن ابن كثير، فإنه قال في هذه الآية: ومن عصمة الله لرسوله، حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلا ونهارا، بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدره وحكمته العظيمة. فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب. إذ كان رئيسا مطاعا كبيرا في قريش. وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لا شرعية. ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها. ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر، هابوه واحترموه. فلما مات عمه أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرا. ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحمل إلى دارهم، وهي المدينة. فلما صار إليها منعوه من الأحمر والأسود. وكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله ورد كيده عليه. كما كاده اليهود بالسحر، فحماه الله منهم وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء. ولما سمه اليهود في ذراع تلك الشاة بخيبر، أعلمه الله به وحماه منه. ولهذا أشباه كثيرة جدا يطول ذكرها. فمن ذلك ما ذكره المفسرون عند هذه الآية الكريمة:
فقال ابن جرير: حدثنا الحارث حدثنا عبد العزيز حدثنا أبو معشر حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا:
" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلا اختار له أصحابه شجرة ظليلة، فيقيل تحتها. فأتاه أعرابي فاخترط سيفه ثم قال: من يمنعك مني؟ قال: " الله عز وجل ". فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه. قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه فأنزل الله عز وجل: ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ ".