يبالغ في نصرته ويطعن في كل ما سواه من المذاهب والمقالات. تعظيما لنفسه وترويجا لمذهبه. فصار ذلك سببا لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم. وانتهى الأمر فيه إلى أن بعضهم يكفر بعضا, ويغزو بعضهم بعضا.
وفي الآية وجهان: أحدهما: ما بين اليهود والنصارى؛ لأنه جرى ذكرهم في قوله تعالى:
لا تتخذوا اليهود والنصارى
[المائدة: 51]، وهو قول الحسن ومجاهد؛ لأنهم المحدث عنهم في قوله تعالى: ﴿ وقالت اليهود ﴾. والثاني: ما بين فرق اليهود خاصة.
أقول: وهو الظاهر. فإن قلت: فهذا المعنى حاصل أيضا بين فرق المسلمين، فكيف يكون ذلك عيبا على الكتابيين حتى يذموا به؟ قلت: بدعة التفرق التي حصلت في المسلمين، إنما حدثت بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة والتابعين. أما في الصدر الأول فلم يكن شيء من ذلك حاصلا بينهم؛ فحسن جعل ذلك عيبا على الكتابيين في ذلك العصر الذي نزل فيه القرآن.
﴿ كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ﴾ أي: كلما أرادوا حرب الرسول صلى الله عليه وسلم، وإثارة شر عليه، ردهم الله سبحانه وتعالى، بأن أوقع بينهم منازعة كف بها عنه شرهم، أو: كلما أرادوا حرب أحد، غلبوا وقهروا، ولم يقم لهم نصر من الله تعالى على أحد قط. فإيقاد النار كناية عن إرادة الحرب، لأنه كان عادتهم ذلك. ونيران العرب مشهورة، منها هذه. وإطفاء النار على الأول عبارة عن دفع شرهم، وعلى الثاني غلبتهم. و (للحرب) إما صلة ل (أوقدوا)، أو متعلق بمحذوف وقع صفة (نارا) أي: كائنة للحرب. ﴿ ويسعون في الأرض فسادا ﴾ أي: للفساد أو مفسدين، أي: يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله وتعويق الناس عنه وإثارة الفتن ﴿ والله لا يحب المفسدين ﴾ أي: من كان الإفساد صفته. و (اللام) إما للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا؛ أو للعهد، ووضع المظهر موضع المضمر للتعليل. وبيان كونهم راسخين في الإفساد.