بيدي
[ص: 75] النعمة. وذكر كلاما طويلا في تقرير هذا ونحوه.
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب (الإبانة) له: فإن قال: فما الدليل على أن لله وجها ويدا؟ قيل له:
ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام
[الرحمن: 27]. وقوله تعالى:
ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي
[ص: 75] فأثبت لنفسه وجها ويدا. فإن قال: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إذ كنتم لا تعقلون وجها ويدا إلا جارحة؟ قلنا: لا يجب هذا كما لا يجب - إذا لم نعقل حيا عالما قادرا إلا جسما - أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه.
وقال الشيخ تقي الدين في (الرسالة المدنية): مذهب أهل الحديث - وهم السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف - أن هذه الأحاديث تمر كما جاءت ويؤمن بها وتصدق وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل. وقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف - منهم الخطابي - مذهب السلف أنها تجري على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها. وذلك أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله. فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية.. انتهى.
ويرحم الله الإمام يحيى الصرصري الأنصاري حيث يقول من قصيدة:
إن المقال بالاعتزال لخطة
عمياء حل بها الغواة المرد
هجموا على سبل الهدى بعقولهم
ليلا فعاثوا في الديار وأفسدوا
صم، إذا ذكر الحديث لديهم
نفروا، كأن لم يسمعوه، وغردوا
واضرب لهم مثل الحمير إذا رأت
أسد العرين فهن منهم شرد
إلى أن قال:
يدعو من اتبع الحديث مشبها
هيهات ليس مشبها من يسند
لكنه يروي الحديث كما أتى
من غير تأويل ولا يتأود
الثاني: روى الإمام أحمد والشيخان في معنى الآية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" " إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة. سحاء الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض. فإنه لم يغض ما في يمينه. وكان عرشه على الماء وفي يده الأخرى الفيض - أو القيض - يرفع ويخفض " وقال: " يقول الله تعالى: أنفق أنفق عليك " ".
الثالث: في هذه الآية دلالة على جواز لعن اليهود، ولا إشكال أن ذلك جائز.
الرابع: هذه الآية أصل في تفكير من صدر منه، في جناب البارئ تعالى، ما يؤذن بنقص.
وقوله تعالى: ﴿ وليزيدن كثيرا منهم ﴾ أي: من اليهود ﴿ مآ أنزل إليك من ربك ﴾ من جوامع الخيرات ﴿ طغيانا ﴾ أي: عدوانا على الناس، أو تماديا في الجحود ﴿ وكفرا ﴾ أي: في أنفسهم بعد كفرهم وطغيانهم بالتحريف وأخذ الرشوة أولا. وهذا من إضافة الفعل إلى السبب. أي: يزدادون طغيانا وكفرا بما أنزل، كما قال:
فزادتهم رجسا إلى رجسهم
[التوبة: 125].
قال الحافظ ابن كثير: أي يكون ما آتاك الله، يا محمد، من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم. فكما يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا وعلما نافعا، يزداد به الكافرون، الحاسدون لك ولأمتك، طغيانا - وهو المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء وكفرا أي: تكذيبا. كما قال تعالى:
قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى
[فصلت: 44]، وقال تعالى:
وننزل من القرآن ما هو شفآء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا
[الإسراء: 82].
﴿ وألقينا بينهم العداوة والبغضآء إلى يوم القيامة ﴾ فكلمتهم أبدا مختلفة وقلوبهم شتى لا يقع بينهم اتفاق ولا تعاضد.
وقد ذكر الشهرستاني أنهم افترقوا نيفا وسبعين فرقة. ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، كان اليهود ثلاث طوائف حول المدينة: بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة. وبسط ما جرياتهم، وهديه صلى الله عليه وسلم في شأنهم، مبسوط في (زاد المعاد) لابن القيم. فراجعه.
قال الرازي: واعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها، هو أنه تعالى بين أنهم إنما ينكرون نبوته بعد ظهور الدلائل على صحتها، لأجل الحسد ولأجل حب الجاه والتبع والمال والسيادة. ثم إنه تعالى بين أنهم، لما رجحوا الدنيا على الآخرة، لا جرم أن الله تعالى، كما حرمهم سعادة الدين، فكذلك حرمهم سعادة الدنيا؛ لأن كل فريق منهم بقي مصرا على مذهبه ومقالته.