وقال السيوطي في (الإكليل): في هذه الآية مشروعية القصاص في النفس والأعضاء والجروح بتقدير شرعنا. كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث أنس:
" كتاب الله القصاص "
؛ واستدل بعموم (النفس بالنفس) من قال بقتل المسلم بالكافر، والحر بالعبد، والرجل بالمرأة. وأجاب ابن الفرس بأن الآية أريد بها الأحرار المسلمون؛ لأن اليهود المكتوب ذلك عليهم في التوراة كانوا ملة واحدة ليسوا منقسمين إلى مسلم وكافر، وكانوا كلهم أحرارا لا عبيد فيهم. لأن عقد الذمة والاستعباد إنما أبيح للنبي صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأنبياء؛ لأن الاستعباد من الغنائم. ولم تحل لغيره. وعقد الذمة لبقاء الكفار. ولم يقع ذلك في عهد نبي. بل كان المكذبون يهلكون جميعا بالعذاب. وأخر ذلك في هذه الأمة رحمة. وهذا جواب مبين.
وقوله: ﴿ والجروح قصاص ﴾ استدل به في كل جرح قيل بالقصاص فيه - كاللسان والشفة وشجاج الرأس والوجه وسائر الجسد - وعلى أن نتف الشعر والضرب لا قصاص فيه إذ ليس بجرح. انتهى.
وقال بعض الزيدية في (تفسيره): مذهب أئمة البيت ومالك والشافعي؛ أنه لا يقتل المسلم بالكافر. وقال أبو حنيفة: يقتل به. لا بالحربي ولا بالمستأمن من الحربيين أخذا بعموم الآية. قلنا: هي مخصصة بقوله في سورة الحشر:
لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة
[الحشر: 20]. وهذا يقتضي نفي المساواة عموما. قالوا: أراد (في الآخرة). قلنا قال الله:
ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا
[النساء: 141]. قالوا: ليس هذا على عمومه فإن له أخذ الدين منه، وذلك سبيل. قلنا: قال صلى الله عليه وسلم:
" لا يقتل المؤمن بكافر "
فعم. قالوا: أراد بكافر حربي. بدليل أن في آخر الخبر:
" ولا ذو عهد في عهده "
والمعنى: لا يقتل المؤمن ولا الكافر الذي عوهد، بالكافر الذي لا عهد له. قلنا قد تمت الجملة الأولى وهي قوله عليه السلام:
" لا يقتل المؤمن بكافر "
وأما قوله:
" ولا ذو عهد في عهده "
، فهذه جملة أخرى، يريد: لا يقتل ما دام في العهد. مع أن الحديث إن احتمل أنها جملة واحدة فالمراد: لا يقتل مؤمن بأحد من الكفار عموما. وكذلك المعاهد لا يقتل بأحد من الكفار عموما. فقامت الدلالة على أن المعاهد، يقتل ببعض الكفار. وبقي المؤمن على عمومه، وما قلنا مروي عن علي عليه السلام وزيد. وهذه المخصصات تخصص ما ورد من العمومات في هذه المسألة. انتهى.
الخامس: عموم قوله تعالى: ﴿ والعين بالعين ﴾ كعموم قوله تعالى: ﴿ النفس بالنفس ﴾ فما خصص ذلك العام، خصصه هنا، لكن ننبه على أطراف:
منها: أن اليسرى لا تؤخذ باليمنى، والوجه عدم المساواة.
ومنها: عين الأعور تؤخذ بعين الصحيح على ما نصه في (الأحكام)، وإليه ذهب أبو حنيفة والشافعي لعموم الآية. وقال في (المنتخب) ومالك: لا تؤخذ، لأن نورها أكثر فتطلب المساواة واحتجوا بأنه مروي عن علي عليه السلام وعمر وابن عمر وعثمان؛ قال في (الشرح): وكان الإمام يحيى لا يصحح هذه الرواية عن علي عليه السلام.
ومنها: في كيفية القصاص. فإن قلعت العين ثبت القصاص بالقلع. وإن ضرب حتى ذهب بصره ثبت القصاص. قال في (التهذيب): فقيل: بالقلع. وقيل: تحمي حديدة ثم تقرب من عينه.
وأما قوله تعالى: ﴿ والأنف بالأنف ﴾ فالكلام في عمومه كما تقدم، ويذكر هنا تنبيه، وهو أن القصاص إنما يكون إذا استؤصلت؛ لأن ذلك كالمفصل، لا إذا قطع بعضها.
والعموم في قوله تعالى: ﴿ والأذن بالأذن ﴾ أيضا كما تقدم. والقصاص: إذا قطعت من أصلها لا إذا قطع البعض. ولا تؤخذ أذن الصحيح بأذن الأصم.
وكذا عموم قوله تعالى: ﴿ والسن بالسن ﴾ والقصاص: إذا قلع من أصله. ولا بد من المساواة. فلا يؤخذ الصحيح بالأسود ولا بالمكسور. ولا الثنية بالضرس. ونحو ذلك. كما لا تؤخذ اليمنى باليسرى.