تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال إسماعيل القاضي في (أحكام القرآن): ظاهر الآيات يدل على أن من فعل مثل ما فعلوا - يعني اليهود - واخترع حكما يخالف به حكم الله، وجعله دينا يعمل به، فقد لزمه مثل ما لزمهم من الوعيد المذكور، حاكما كان أو غيره.

السادس: روي سبب آخر في نزول هذه الآيات الكريمات.

أخرج الإمام أحمد عن ابن عباس قال: إن الله أنزل ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ ، و

فأولئك هم الظالمون

[المائدة: 45] و

فأولئك هم الفاسقون

[المائدة: 47] في الطائفتين من اليهود. وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا أو اصطلحوا على أن كل قتيل قتله العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا، وكل قتيل قتله الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق. فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة. فذلت الطائفتان كلتاهما لمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويومئذ لم يظهر ولم يوطئهما عليه وهو في الصلح. فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا. فأرسلت العزيزة إلى الذليلة: أن ابعثوا لنا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان في حيين قط، دينهما واحد ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنا إنما أعطيناكم هذا ضيما منكم لنا وفرقا منكم. فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك. فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم. ثم ذكرت العزيزة فقالت: والله! ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منهم. ولقد صدقوا ما أعطونا هذا إلا ضيما منا وقهرا لهم. فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه. إن أعطاكم ما تريدون حكمتوه، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه. فدسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا من المنافين ليخبروا لهم رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بأمرهم كله وما أرادوا. فأنزل الله تعالى:

يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر

[المائدة: 41] - إلى قوله -

الفاسقون

[المائدة: 47] ثم قال: فيهما، والله! نزلت، وإياهم عنى الله عز وجل. ورواه أبو داود بنحوه.

وروى ابن جرير من طريق أخرى عن ابن عباس قال: إن الآيات في المائدة قوله:

فاحكم بينهم أو أعرض عنهم

[المائدة: 42] - إلى -

المقسطين

[المائدة: 42] إنما أنزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة. وذلك أن قتلى بني النضير، وكان لهم شرف يؤدي الدية كاملة. وأن قريظة كانوا يؤدي لهم نصف الدية. فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله ذلك فيهم. فحملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء. ورواه أحمد وأبو داود والنسائي بنحوه.

وروى ابن جرير أيضا عن ابن عباس قال: كانت قريظة والنضير. وكانت النضير أشرف من قريظة. فكان إذا قتل القرظي رجلا من النضير قتل به. وإذا قتل النضيري رجلا من قريظة، ودي بمائة وسق من التمر. فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، قتل رجل من النضير رجلا من قريظة. فقالوا: ادفعوه إليه. فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت:

وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط

[المائدة: 42]. ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم في (المستدرك) بنحوه. وهكذا قال قتادة ومقاتل بن حيان وغير واحد.

وقد روى العوفي وعلي بن أبي طلحة والوالبي عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في اليهوديين اللذين زنيا, كما تقدمت الأحاديث بذلك. وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد. فنزلت هذه الآيات في ذلك كله, والله أعلم. انتهى كلام ابن كثير.

وقد أسلفنا في (المقدمة) في بحث سبب النزول، ما يزيل الإشكال في تعدد السبب فتذكر.

ومما يقوى أن سبب نزول قضية القصاص - كما قال ابن كثير - قوله تعالى بعد ذلك:

محاسن التأويل · الصفحة ٨٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٨٦٦