تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شمس ضحاها هلال ليلتها

در تقاصيرها زبرجدها!

فنزل عن الشمس إلى الهلال، وعن الدر إلى الزبرجد في سياق المدح. فمضغت الألسن عرض بلاغته، ومزقت أديم صيغته. فعلينا أن نتدبر الآيات المعجزات، حتى يتعلق فهمنا بأهداب علوها في البلاغة المعهود لها. والله الموفق.

وقوله تعالى: ﴿ فلا تخشوا الناس ﴾؛

قال الزمخشري: نهي للحكام عن خشيتهم غير الله في حكوماتهم وإدهانهم فيها، وإمضائها على خلاف ما أمروا به من العدل لخشية سلطان ظالم، أو خيفة أذية أحد من القرباء والأصدقاء.

وقال أبو السعود: خطاب لرؤساء اليهود وعلمائهم بطريق الالتفات. وأما حكام المسلمين فيتناولهم النهي بطريق الدلالة دون العبارة. والفاء لترتيب النهي على ما فصل من حال التوراة وكونها معتنى بشأنها فيما بين الأنبياء عليهم السلام، ومن يقتدي بهم من الربانيين والأحبار المتقدمين عملا وحفظا. فإن ذلك ما يوجب الاجتناب عن الإخلال بوظائف مراعاتها والمحافظة عليها بأي وجه كان. فضلا عن التحريف والتغيير. ولما كان مدار جراءتهم على ذلك، خشية ذي سلطان أو رغبة في الحظوظ الدنيوية، نهوا عن كل منهما صريحا، أي إذا كان شأنها كما ذكر فلا تخشوا الناس كائنا من كانوا، واقتدوا في مراعاة أحكامها وحفظها بمن قبلكم من الأنبياء وأشياعهم ﴿ واخشون ﴾ في مخالفة أمري والإخلال بحقوق مراعاتها ﴿ ولا تشتروا ﴾ أي: تستبدلوا ﴿ بآياتي ﴾ أي: التي فيها، بأن تتركوا العمل بها وتأخذوا لأنفسكم بدلا منها ﴿ ثمنا قليلا ﴾ من الرشوة وابتغاء الجاه ورضا الناس، فإنها - وإن جلت - قليلة مسترذلة في نفسها، لا سيما بالنسبة إلى ما فات عنهم بترك العمل بها ﴿ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ﴾ أي: كائنا من كان، دون المخاطبين خاصة، فإنهم مندرجون فيه اندراجا أوليا. أي: من لم يحكم بذلك مستهينا به، منكرا له كما يقتضيه ما فعلوه اقتضاء بينا ﴿ فأولئك هم الكافرون ﴾ لاستهانتهم به.

والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبلها أبلغ تقرير، وتحذير عن الإخلال به أشد تحذير. حيث علق فيه الحكم بالكفر بمجرد ترك الحكم بما أنزل الله تعالى. فكيف وقد انضم إليه الحكم بخلافه؟ لا سيما مع مباشرة ما نهوا عنه من تحريفه ووضع غيره موضعه، وادعاء أنه من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا. قاله أبو السعود.

تنبيهات

الأول: في قوله تعالى: ﴿ فلا تخشوا الناس ﴾ دلالة على أن على الحاكم أن لا تأخذه في الله لومة لائم.

الثاني: في قوله تعالى: ﴿ ولا تشتروا... ﴾ إلخ دلالة على تحريم الرشا على التبديل وكتمان الحق، وأن فعل ذلك، لغرض دنيوي من طلب جاه، أو مال - محرم.

الثالث: في قوله: ﴿ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله... ﴾ الآية، تغليظ في الحكم بخلاف المنصوص عليه، حيث علق عليه الكفر هنا، والظلم والفسق بعد.

الرابع: ما أخرجه مسلم عن البراء: أن قوله تعالى: ﴿ ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ﴾ الثلاث الآيات في الكفار كلها. وكذا ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس: أنها في اليهود خاصة، قريظة والنضير - لا ينافي تناولها لغيرهم؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكلمة ﴿ من ﴾ وقعت في معرض الشرط فتكون للعموم.

الخامس: كفر الحاكم بغير ما أنزل بقيد الاستهانة به والجحود له، هو الذي نحاه كثيرون وأثروه عن عكرمة وابن عباس.

وروى الحاكم وابن أبي حاتم وعبد الرزاق عن ابن عباس وطاوس: أن من لم يحكم بما أنزل الله، هي به كفر، وليس بكفر ينقل عن الملة. كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ونحو هذا روى الثوري، عن عطاء قال: هو كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. رواه ابن جرير.

ونقل في (اللباب) عن ابن مسعود والحسن والنخعي: أن هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة، فكل من ارتشى وبدل الحكم فحكم بغير حكم الله، فقد كفر وظلم وفسق. وإليه ذهب السدي. لأنه ظاهر الخطاب. ثم قال: وقيل: هذا فيمن علم نص حكم الله ثم رده عيانا عمدا، وحكم بغيره. وأما من خفي عليه النص أو أخطأ في التأويل، فلا يدخل في هذا الوعيد... انتهى.

محاسن التأويل · الصفحة ٨٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٨٦٥