تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس سره في كتابه (السياسة الشرعية): وأما السارق فيجب قطع يده اليمنى بالكتاب والسنة والإجماع. قال الله تعالى: ﴿ والسارق والسارقة... ﴾ الآية. ولا يجوز، بعد ثبوت الحد عليه بالبينة أو الإقرار، تأخيره، لا بحبس ولا مال يفتدي به ولا غيره، بل تقطع يده في الأوقات المعظمة وغيرها، فإن إقامة الحدود من العبادات كالجهاد في سبيل الله.

وينبغي أن يعرف أن إقامة الحد رحمة من الله بعباده، فيكون الوالي شديدا في إقامة الحد، لا تأخذه رأفة في دين الله فيعطله، ويكون قصده رحمة الخلق بكف الناس عن المنكرات، لا إشفاء غيظه وإرادة العلو على الخلق، بل بمنزلة الوالد إذا أدب ولده. فإنه لو كف عن تأديب ولده، كما تستر به الأم رقة ورأفة، لفسد الولد. وإنما يؤدبه رحمة وإصلاحا بحاله، مع أنه يود ويؤثر أن لا يحوجه إلى تأديب، وبمنزلة الطبيب الذي يسقي المريض الدواء الكريه، وبمنزلة قطع العضو المتآكل والحجم وقطع العروق بالفصاد ونحو ذلك، بل بمنزلة شرب الإنسان الدواء الكريه، وما يدخله على نفسه من المشقة لينال به الراحة. فكذلك شرعت الحدود، وهكذا ينبغي أن تكون نية الوالي في إقامتها، فإن من كان قصده صلاح الرعية والنهي عن المنكرات، بجلب المنفعة لهم ورفع المضرة عنهم وابتغائه بذلك وجه الله تعالى وطاعة أمره - ألان الله له القلوب وتيسرت له أسباب الخير، وكفاه العقوبة اليسيرة، وقد يرضى المحدود إذا قام عليه الحد. وأما إذا كان غرضه العلو عليهم وإقامة بأسه ليعطوه أو ليبذلوا له ما يريد من الأموال - انعكس عليه مقصوده.

ويروى أن عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، قبل أن يلي الخلافة كان نائبا للوليد بن عبد الملك على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد ساسهم سياسة صالحة، فقدم الحجاج من العراق وقد سامهم سوء العذاب، فسأل أهل المدينة عن عمر: كيف هيبته فيكم؟ قالوا: ما نستطيع أن ننظر إليه هيبة له! قال: كيف محبتكم له؟ قالوا: هو أحب إلينا من أهلنا! قال: فكيف أدبه؟ قالوا: ما بين الثلاثة الأسواط إلى العشرة.. قال: هذه هيبته وهذه محبته وهذا أدبه! هذا أمر من السماء.

وإذا قطعت يده حسمت، ويستحب أن تعلق في عنقه، فإن سرق ثانيا قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثا أو رابعا، ففيه قولان للصحابة ومن بعدهم من العلماء: أحدهما: تقطع أربعته في الثالثة والرابعة، وهو قول أبي بكر، وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه، والكوفيين وأحمد في إحدى الروايتين. والثاني: أنه يحبس، وهو قول علي رضي الله عنه والكوفيين وأحمد في روايته الأخرى. وتتمة مباحث السرقة مقررة في كتب السنة.

الرابعة: قرأ الجمهور برفع (السارق والسارقة) على الابتداء، والخبر محذوف تقديره: وفيما يتلى عليكم - أو فيما فرض عليكم - السارق والسارقة، أي: حكمهما. أو الخبر قوله تعالى: ﴿ فاقطعوا أيديهما ﴾ والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، إذ المعنى: الذي سرق والتي سرقت.

وقرأ عيسى بن عمر بالنصب وفضلها سيبويه على قراءة الرفع؛ لأن الإنشاء لا يقع خبرا إلا بتأويل وإضمار، كذا اشتهر عن سيبويه.

قال الناصر في (الانتصاف): المستقرأ من وجوه القراءات أن العامة لا تتفق فيها أبدا على العدول عن الأفصح. وجدير بالقرآن أن يجري على أفصح الوجوه، وألا يخلو من الأفصح، وما يشتمل عليه كلام العرب الذي لم يصل أحد منهم إلى ذروة فصاحته ولم يتعلق بأهدابها. وسيبويه يحاشي من اعتقاد عراء القرآن عن الأفصح واشتماله على الشاذ الذي لا يعد من القرآن. ونحن نورد الفصل من كلام سيبويه على هذه الآية ليتضح لسامعه براءة سيبويه من عهدة هذا النقل: قال سيبويه في ترجمة (باب الأمر والنهي) بعد أن ذكر المواضع التي يختار فيها النصب: وملخصها أنه متى بني الاسم على فعل الأمر، فذاك موضع اختيار النصب. ثم قال كالموضح لامتياز هذه الآية عما اختار فيها النصب: وأما قوله عز وجل: ﴿ والسارق والسارقة... ﴾ الآية، وقول:

محاسن التأويل · الصفحة ٨٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٨٥٨