تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا "

قال الشافعية: هذا الحديث فاصل في المسألة، ونص في اعتبار ربع الدينار لا ما سواه. قالوا: وحديث ثمن المجن، وإن كان ثلاثة دراهم، لا ينافي هذا، لأنه إذ ذاك كان الدينار باثني عشر درهما، فهي ثمن ربع دينار، فأمكن الجمع بهذا الطريق. ويروى هذا المذهب عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. وبه يقول عمر بن عبد العزيز والليث والأوزاعي وإسحاق (في رواية عنه) وأبو ثور وداود الظاهري، رحمهم الله.

وذهب الإمام أحمد وإسحاق (في رواية) إلي أن كل واحد من ربع الدينار والثلاثة دراهم مرد شرعي. فمن سرق واحدا منهما أو ما يساويه قطع، عملا بحديث ابن عمر وبحديث عائشة. ووقع في لفظ عند الإمام أحمد عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك "

وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهما. وفي لفظ للنسائي:

" لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن "

قيل لعائشة: ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار. فهذه كلها نصوص دالة على عدم اشتراط عشرة دراهم، والله أعلم.

وأما الإمام أبو حنيفة وأصحابه، وكذا سفيان الثوري، فإنهم ذهبوا إلى أن النصاب عشرة دراهم مضروبة غير مغشوشة. واحتجوا بأن ثمن المجن الذي قطع فيه السارق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ثمنه عشرة دراهم.

وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا ابن نمير وعبد الأعلى عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لا تقطع يد السارق في دون ثمن المجن "

وكان ثمن المجن عشرة دراهم. قالوا: فهذا ابن عباس وعبد الله بن عمرو قد خالفا ابن عمر في ثمن المجن، فالاحتياط الأخذ بالأكثر؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات.

وذهب بعض السلف إلى أنه تقطع يد السارق في عشرة دراهم أو دينار أو ما يبلغ قيمة واحد منهما. يحكى هذا عن علي وابن مسعود وإبراهيم النخعي وأبي جعفر الباقر، رحمهم الله تعالى.

وقال بعض السلف: لا تقطع الخمس إلا في خمس. أي: في خمسة دنانير أو خمسين درهما. وينقل هذا عن سعيد بن جبير رحمه الله.

وقد أجاب الجمهور - عما تمسك به الظاهرية من حديث أبي هريرة:

" يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده "

- بأجوبة: أحدها: أنه منسوخ بحديث عائشة. وفي هذا نظر لأنه لا بد من بيان التاريخ. والثاني: أنه مؤول ببيضة الحديد وحبل السفن. قاله الأعمش فيما حكاه البخاري وغيره عنه. والثالث: أن هذه وسيلة إلى التدرج في السرقة من القليل إلى الكثير الذي تقطع فيه يده. ويحتمل أن يكون هذا خرج مخرج الإخبار عما كان الأمر عليه في الجاهلية حيث كانوا يقطعون في الكثير والقليل. فلعن السارق ببذل يده الثمينة في الأشياء المهينة.

وقد ذكروا أن أبا العلاء المعري: لما قدم بغداد، اشتهر عنه أنه أورد إشكالا على الفقهاء في جعلهم نصاب السرقة ربع دينار، ونظم في ذلك شعرا فقال:

يد بخمس مئين عسجد وديت

ما بالها قطعت في ربع دينار؟

وقد أجابه الناس في ذلك؛ فكان جواب القاضي عبد الوهاب المالكي رحمه الله أنه قال: لما كانت أمينة، كانت ثمينة، ولما خانت هانت. ومنهم من قال: هذا من تمام الحكمة والمصلحة وأسرار الشريعة العظيمة، فإن في باب الجنايات، ناسب أن تعظم قيمة اليد بخمسمائة دينار، لئلا يجنى عليها، وفي باب السرقة ناسب أن يكون القدر الذي تقطع ربع دينار لئلا يسارع الناس في سرقة الأموال، فهذا هو عين الحكمة عند ذوي الألباب. ولهذا قال: ﴿ جزآء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم ﴾ ، أي: مجازاة على صنيعهما السيئ في أخذهما أموال الناس بأيديهم، فناسب أن يقطع ما استعانا به في ذلك. كذا في تفسير ابن كثير.

محاسن التأويل · الصفحة ٨٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٨٥٧