تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السادسة: دل قوله تعالى: ﴿ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ﴾ على أن توبة المحاربين، قبل الظفر بهم، تسقط عنهم حد المحاربين المذكور في الآية. سواء كانوا مشركين أو مسلمين. وهو مروي عن علي وأبي هريرة والسدي وغيره. وقد قال الهادي: إذا تاب المحارب قبل الظفر به، سقط عنه كل تبعة من قتل أو دين، لعموم الآية.

قال ابن كثير: أما على قول من قال: إنها في أهل الشرك، فظاهر. أي: فإنهم إذا آمنوا قبل القدرة عليهم، سقط عنهم جميع الحدود المذكورة. فلا يطالبون بشيء مما أصابوا من مال أو دم. قال أبو إسحاق: جعل الله التوبة للكفار تدرأ عنهم الحدود التي وجبت عليهم في كفرهم، ليكون ذلك داعيا لهم إلى الدخول في الإسلام. وأما المحاربون المسلمون، فإذا تابوا قبل القدرة عليهم فإنه يسقط عنهم تحتم القتل والصلب وقطع الرجل. وهل يسقط قطع اليد. فيه قولان للعلماء. وظاهر الآية يقتضي سقوط الجميع، وعليه عمل الصحابة. كما روى ابن أبي حاتم عم الشعبي قال: كان حارثة بن بدر التميمي من أهل البصرة - وكان قد أفسد في الأرض وحارب - فكلم رجالا من قريش منهم: الحسن بن علي وابن عباس وعبد الله بن جعفر.

فكلموا عليا فيه فلم يؤمنه. فأتى سعيد بن قيس الهمداني، فخلفه في داره ثم أتي عليا فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيت من حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا - فقرأ حتى بلغ: ﴿ إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ﴾. فقال: اكتب لنا أمانا. قال سعيد بن قيس: فإنه حارثة بن بدر. وكذا رواه ابن جرير من غير وجه عن مجالد عن الشعبي، فقال حارثة بن بدر:

ألا أبلغا همدان إما لقيتها

على النأي لا يسلم عدو يعيبها

لعمر أبيها إن همدان تتقي ال

إله ويقضي بالكتاب خطيبها

وروى ابن جرير - من طريق سفيان الثوري عن السدي، ومن طريق أشعث - كلاهما. عن عامر الشعبي قال: جاء رجل من مراد إلى أبي موسى - وهو على الكوفة في إمرة عثمان رضي الله عنه - بعد ما صلى المكتوبة فقال: يا أبا موسى، هذا مقام العائذ بك. أنا فلان ابن فلان المرادي، كنت حاربت الله ورسوله، وسعيت في الأرض فسادا، وإني تبت من قبل أن تقدروا علي. فقام أبو موسى فقال: إن هذا فلان ابن فلان، وإنه كان حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادا، وإنه تاب من قبل أن يقدر عليه، فمن لقيه فلا يعرض له إلا بخير، (فإن يك صادقا فسبيل من صدق، وإن يك كاذبا تدركه ذنوبه). فأقام الرجل ما شاء الله، ثم إنه خرج فأدركه الله بذنوبه فقتله. ثم قال ابن جرير: حدثني علي، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: قال الليث. وكذلك حدثني موسى بن إسحاق المدني، وهو الآمر عندنا، أن عليا الأسدي حارب وأخاف السبيل، وأصاب الدم والمال، فطلبه الأئمة والعامة، فامتنع ولم يقدر عليه حتى جاء تائبا. وذلك أنه سمع رجلا يقرأ هذه الآية:

قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم

[الزمر: 53]. فوقف عليه فقال: يا عبد الله! أعد قراءتها. فأعادها عليه. فغمد سيفه ثم جاء تائبا حتى قدم المدينة من السحر، فاغتسل، ثم أتى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى الصبح ثم قعد إلى أبي هريرة في غمار أصحابه. فلما أسفر عرفه الناس فقاموا إليه. فقال: لا سبيل لكم علي، جئت تائبا من قبل أن تقدروا علي. فقال أبو هريرة: صدق. وأخذ بيده أبو هريرة حتى أتى مروان بن الحكم - في إمرته على المدينة في زمن معاوية - فقال: هذا علي جاء تائبا ولا سبيل لكم عليه ولا قتل. قال، فترك من ذلك كله. قال: وخرج علي تائبا مجاهدا في سبيل الله في البحر. فلقوا الروم، فقربوا سفينته إلى سفينة من سفنهم، فاقتحم على الروم في سفينتهم، فهزموا منه إلى سفينتهم الأخرى، فمالت بهم وبه.

محاسن التأويل · الصفحة ٨٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ٨٥١