كذا في (الروضة).
قال شمس الدين ابن القيم في (الهدى): ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم في حديث واحد، أنه اقتصر على مسح بعض رأسه ألبتة، ولكن كان إذا مسح بناصيته كمل على العمامة. فأما حديث أنس الذي رواه أبو داود: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية، فأدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة - فهذا مقصود أنس به أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقض عمامته حتى يستوعب مسح الرأس الشعر كله، ولم ينف التكميل على العمامة. وقد أثبته المغيرة بن شعبة وغيره، فسكوت أنس عنه لا يدل على نفيه. انتهى.
قال الشوكاني: ليس النزاع إلا في الوجوب، وأحاديث التعميم، وإن كانت أصح، وفيها زيادة وهي مقبولة - لكن أين دليل الوجوب؟ وليس إلا مجرد الفعل، وهو لا يدل على الوجوب. ثم قال: وبعد هذا، فلا شك في أولوية استيعاب المسح لجميع الرأس وصحة أحاديثه، ولكن دون الجزم بالوجوب، مفاوز وعقاب.
فصل
وأما قوله تعالى: ﴿ وأرجلكم إلى الكعبين ﴾. فقرأه بالنصب نافع وابن عامر وحفص والكسائي ويعقوب، وبالجر الباقون. ومن هاتين القراءتين تشعبت المذاهب في صفة طهارة الرجلين؛ فمن ذاهب إلى أن طهارتهما الغسل، ومن ذاهب إلى أنها المسح، ومن مخير بينهما. ولكل من هذه المذاهب حجج وتأويلات وأجوبة ومناقشات تسوق شذرة منها.
فنقول: قال الأولون: قراءة النصب ظاهرها يفيد الغسل، وقراءة الجر ظاهرها يفيد المسح، إلا أنه لما وجد ما يرجح الغسل تأولنا ما أفادته قراءة الجر في الظاهر.
والمرجح للغسل أمور منها: ما في (الصحيحين) و (السنن) عن عثمان وعلي وابن عباس ومعاوية وعبد الله بن زيد بن عاصم والمقداد بن معد يكرب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل الرجلين في وضوئه، إما مرة وإما مرتين أو ثلاثا. على اختلاف رواياتهم. وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده،
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فغسل قدميه ثم قال: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " ".
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو قال: تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره. فأدركنا وقد أرهقنا العصر. فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا. قال، فنادى بأعلى صوته:
" ويل للأعقاب من النار "
مرتين أو ثلاثا. وكذلك هو في (الصحيحين) عن أبي هريرة. وفي (صحيح مسلم) عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار "
وروى البيهقي والحاكم، بإسناد صحيح، عن عبد الله بن الحارث بن جزء؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار "
وروى الإمام أحمد وابن ماجه وابن جرير عن جابر بن عبد الله قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم في رجل رجل مثل الدرهم لم يغسله، فقال:
" ويل للأعقاب من النار ".
قال ابن كثير: ووجه الدلالة من هذه الأحاديث ظاهرة، وذلك أنه لو كان فرض الرجلين مسحهما، أو أنه يجوز ذلك، لما توعد على تركه؛ لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل، بل يجري فيه ما يجري في مسح الخف. وروى الإمام أحمد عن خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم:
" أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم، لم يصبها الماء، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء "
زاد أبو داود: والصلاة. وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة قال: حدثنا عمرو بن عبسة قال:
" قلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء، قال: " ما منكم من أحد يقرب وضوءه ثم يتمضمض ويستنشق وينتثر، إلا خرت خطاياه من فمه وخياشيمه مع الماء حين ينتثر، ثم يغسل وجهه كما أمره الله إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أطراف أنامله، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين كما أمر الله إلا خرت خطايا قدميه من أطراف أصابعه مع الماء، ثم يقوم فيحمد الله ويثني بالذي هو له أهل، ثم يركع ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " ".