وأجابوا بأن حديث جابر رواه الدارقطني والبيهقي. وفي إسناده متروك. وقد صرح بضعفه غير واحد من الحفاظ. وحديث أبي هريرة فعل لا ينتهض بمجرده على الوجوب. وقولهم (هو بيان للمجمل) فيه نظر؛ لأن (إلى) حقيقة في انتهاء الغاية - كما قدمنا - فلا إجمال. والله أعلم.
السابعة: قال الرازي: يقتضي قوله تعالى: ﴿ إلى المرافق ﴾ تحديد الأمر، لا تحديد المأمور به. يعني: أن قوله: ﴿ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ﴾ أمر بغسل اليدين إلى المرفقين، فإيجاب الغسل محدود بهذا الحد؛ فبقي الواجب هو هذا القدر فقط, أما نفس الغسل فغير محدود بهذا الحد؛ لأنه ثبت بالأخبار أن تطويل الغرة سنة مؤكدة. انتهى.
الثامنة: أشعر أيضا قوله تعالى: ﴿ إلى المرافق ﴾ أن ينتهي في غسل اليدين بها, ويبتدأ بالأصابع، قال الحاكم: وقد وردت السنة بذلك, وهو الذي عليه الفقهاء, ولدلالة لفظ: (إلى) لأنها للغاية, وغاية الشيء: آخره. وقالت الإمامية: السنة أن يبتدئ بالمرفق. وقالوا: إن (إلى) هنا بمعنى (من) قال الحاكم: هذا تقدير فاسد.
التاسعة: ذهب الجمهور إلى أن تقديم اليمين على الشمال سنة, من خالفها فاته الفضل وتم وضوؤه، وذهب العترة والإمامية - كما في (البحر) للمهدي - إلى وجوبه. واحتج عليهم بأن الآية لا تفيد ذلك, فمتى غسلهما مرتبا أو غير مرتب - قدم اليمنى أو اليسرى - فقد امتثل الأمر. وأجابوا بأن الدلالة على الوجوب من السنة. فقد روى أحمد وأبو داود عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إذا لبستم وإذا توضأتم فابدأوا بأيامنكم "
وأجيب: بأن الأمر للندب لقوله:
" إذا لبستم وإذا توضأتم "
فقرن بينه وبين اللبس، فإذن يدل على وجوب التيامن في اللبس كما يدل عليه في الوضوء, وهم لا يقولون به. وأيضا فقد روي عن علي عليه السلام أنه قال: ما أبالي بدأت بيميني أو بشمالي إذا أكملت الوضوء. رواه الدارقطني. وروى نحوه البيهقي وابن أبي شيبة. وروى أبو عبيد في الطهور: أن أبا هريرة كان يبدأ بميامنه, فبلغ ذلك عليا فبدأ بمياسره.
رواه أحمد بن حنبل عن علي. قال الحافظ ابن حجر: وفيه انقطاع. وهذه الطرق يقوي بعضها بعضا. وكذلك الحديث وكذلك الحديث المقترن بالتيامن في اللبس، المجمع على عدم وجوبه، صالح لجعله قرينة تصرف الأمر إلى الندب. ودلالة الاقتران - وإن كانت ضعيفة - لكنها لا تقصر عن الصلاحية للصرف، لا سيما مع اعتضادها بقول علي عليه السلام وفعله.
العاشرة: ذهب بعض العترة إلى أنه لا مسح على الجبائر. ففي (الأحكام) من كتبهم: إذا جبر على جرح أو كسر وخشي نزع الجبائر ضررا، لا يشرع المسح. قال: لأن الآية تقتضي غسل اليد دون ما عليها. والجمهور منهم ومن غيرهم: أنه يمسح، لحديث جابر: إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده. رواه أبو داود والدارقطني. وصححه ابن السكن.
الحادية عشرة: (وجوب مسح الرأس): والمسح إمساس المحل الماء بحيث لا يسيل، والباء في قوله تعالى: ﴿ برؤوسكم ﴾ تدل على تضمين الفعل معنى الإلصاق، فكأنه قيل: وألصقوا المسح برؤوسكم. قال الزمخشري: وماسح بعض الرأس ومستوعبه بالمسح كلاهما ملصق للمسح برأسه، أي: فيكون الواجب مطلق المسح كلا أو بعضا - وأيا ما كان - وقع به الامتثال. والسنة الصحيحة وردت بالبيان، وفيها ما يفيد جواز الاقتصار على مسح البعض في بعض الحالات كما في صحيح مسلم وغيره من حديث المغيرة؛ أنه صلى الله عليه وسلم أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة؛ أنه مسح رأسه فأقبل وأدبر. وهذه الهيئة التي استمر عليها صلى الله عليه وسلم. فاقتضى هذا أفضلية الهيئة التي كان صلى الله عليه وسلم يداوم عليها؛ وهي: مسح الرأس مقبلا ومدبرا، وإجزاء غيرها في بعض الأحوال. ولا يخفي أن الآية لا تفيد إيقاع المسح على جميع الرأس، كما في نظائره من الأفعال، نحو: ضربت رأس زيد، وبرأسه، وضربت زيدا وضربت يد زيد. فإنه يوجد المعنى اللغوي في جميع ذلك، بوجود الضرب على جزء من الأجزاء المذكورة، وهكذا ما في الآية. وليس النزاع في مسمى الرأس لغة، حتى يقال: إنه حقيقة في جميعه، بل النزاع في إيقاع المسح عليه. وعلى فرض الإجمال، فقد بينه الشارع تارة بمسح الجميع، وتارة بمسح البعض، بخلاف الوجه، فإنه لم يقتصر على غسل بعضه في حال من الأحوال، بل غسله جميعا. وأما اليدان والرجلان فقد صرح فيهما بالغاية، فإن قلت: إن المسح ليس كالضرب الذي مثلت به. قلت: لا ينكر أحد من أهل اللغة أنه يصدق قول من قال: (مسحت الثوب أو بالثوب. أو مسحت الحائط أو بالحائط) على مسح جزء من أجزاء الثوب أو الحائط، وإنكار مثل هذا مكابرة.