انتهى.
المبحث الثاني
احتج من جوز المعصية على الأنبياء - وهم الكرامية والباقلاني - بما جرى من إخوة يوسف وبيعهم أخاهم وكذبهم لأبيهم، وبما وقع من يوسف نفسه من أخذه أخاه وإيحاشه أباه.
قال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله في (الملل والنحل):
ما احتجوا به لا حجة فيه: لأن إخوة يوسف، عليه السلام، لم يكونوا أنبياء؛ ولا جاء قط - في أنهم أنبياء - نص لا من قرآن، ولا من سنة صحيحة، ولا من إجماع، ولا من قول أحد من الصحابة رضي الله عنهم! فأما يوسف عليه السلام فرسول الله بنص القرآن، قال عز وجل:
ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جآءكم به
[غافر: 34] إلى قوله:
من بعده رسولا
[غافر: 34] وأما إخوته فأفعالهم تشهد بأنهم لم يكونوا متورعين عن العظائم، فكيف أن يكونوا أنبياء! ولكن الرسولين - أباهم وأخاهم - قد استغفرا لهم وأسقطا التثريب عنهم.
وبرهان ما ذكرنا - من كذب من يزعم أنهم كانوا أنبياء - قول الله تعالى حاكيا عن الرسول أخيهم أنه قال لهم:
أنتم شر مكانا
[يوسف: 77] ولا يجوز البتة أن يقوله لنبي من الأنبياء؛ نعم، ولا لقوم صالحين! إذ توقير الأنبياء فرض على جميع الناس، لأن الصالحين ليسوا شرا مكانا! وقد عق ابن نوح أباه بأكثر مما عق به إخوة يوسف أباهم، إلا أن إخوة يوسف لم يكفروا. ولا يحل لمسلم أن يدخل في الأنبياء من لم يأت نص ولا إجماع أو نقل كافة بصحة نبوته! ولا فرق بين التصديق بنبوة من ليس نبيا، وبين التكذيب بنبوة من صحت نبوته منهم! فإن ذكروا في ذلك ما روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم وهو زيد بن أرقم: (إنما مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأولاد الأنبياء أنبياء) فهذه غفلة شديدة وزلة عالم، من وجوه:
أولها: أنه دعوى لا دليل على صحتها.
وثانيها: أنه لو كان ما ذكر لأمكن أن ينبأ إبراهيم في المهد كما نبئ عيسى عليه السلام، وكما أوتي يحيى الحكم صبيا؛ فعلى هذا القول لعل إبراهيم كان نبيا، وقد عاش عامين غير شهرين، وحاشا لله من هذا..!
وثالثها: أن ولد نوح كان كافرا بنص القرآن عمل عملا غير صالح. فلو كان أولاد الأنبياء أنبياء لكان هذا الكافر المسخوط عليه نبيا، وحاشا لله من هذا..!
ورابعها: لو كان ذلك، لوجب ولا بد أن تكون اليهود كلهم أنبياء إلى اليوم، بل جميع أهل الأرض أنبياء، لأنه يلزم أن يكون الكل من ولد آدم لصلبه أنبياء، لأن أباهم نبي، وأولاد أولادهم أنبياء أيضا لأن آباءهم أنبياء وهم أولاد أنبياء وهكذا.
.. أبدا حتى يبلغ الأمر إلينا! وفي هذا من الكفر لمن قامت عليه الحجة وثبت عليه - ما لا خفاء به. وبالله تعالى التوفيق..!
ثم قال ابن حزم: وذكروا - يعني الكرامية ومن وافقهم - أيضا أخذ يوسف عليه السلام أخاه، وإيحاشه أباه عليه السلام منه، وأنه أقام مدة يقدر فيها على أن يعرف أباه خبره وهو يعلم ما يقاسي به من الوجد عليه، فلم يفعل وليس بينه وبينه إلا عشر ليال؛ وبإدخاله صواع الملك في وعاء أخيه ولم يعلم بذلك سائر إخوته، ثم أمر من هتف: ﴿ أيتها العير إنكم لسارقون ﴾ [يوسف: 70] وهم لم يسرقوا شيئا، وبقول الله تعالى: ﴿ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ﴾ [يوسف: 24] وبخدمته لفرعون، وبقوله للذي كان معه في السجن ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ [يوسف: 42].
قال ابن حزم: وكل هذا لا حجة لهم في شيء منه، ونحن نبين ذلك بحول الله تعالى وقوته، فنقول وبالله تعالى نتأيد: أما أخذه أخاه وإيحاشه أباه منه فلا شك في أن ذلك ليرفق بأخيه وليعود إخوته إليه، ولعلهم لو مضوا بأخيه لم يعودوا إليه وهم في مملكة أخرى، وحيث لا طاعة ليوسف عليه السلام ولا لملك مصر هنالك، وليكون ذلك سببا لاجتماعه وجمع شمل جميعهم! ولا سبيل إلى أن يظن برسول الله يوسف عليه السلام الذي أوتي العلم والمعرفة بالتأويل - إلا أحسن الوجوه. وليس مع من خالفنا نص بخلاف ما ذكرنا. ولا يحل أن يظن بمسلم فاضل عقوق أبيه، فكيف برسول الله صلوات الله عليه! وأما ظنهم - أنه أقام مدة يقدر فيها على تعريف أبيه خبره ولم يفعل - فهذا جهل شديد ممن ظن هذا؛ لأن يعقوب في أرض كنعان من عمل فلسطين، في قوم رحالين خصاصين في لسان آخر وطاعة أخرى ودين آخر وأمة أخرى! فلم يكن عند يوسف عليه السلام، علم بعد فراقه أباه، بما فعل، ولا حي هو أو ميت، أكثر من وعد الله تعالى بأن ينبئهم بفعلهم به، ولا وجد أحدا يثق به، فيرسل إليه، للاختلاف الذي ذكرنا. وإنما يستسهل هذا اليوم من يرى أرض الشام ومصر لأمير واحد وملة واحدة، ولسانا واحدا وأمة واحدة، والطريق سابل، والتجار ذاهبون وراجعون، والرفاق سائرة ومقبلة، والبرد ناهضة وراجعة، فظن كل بيضاء شحمة، ولم يكن الأمر حينئذ كذلك، ولكن كما قدمنا! ودليل ذلك أنه حين أمكنه لم يؤخره، واستجلب أباه وأهله أجمعين عند ضرورة الناس إليه، وانقيادهم له للجوع الذي كان عم الأرض، وامتيارهم من عنده، فانتظر وعد ربه تعالى الذي وعده حين ألقوه في الجب فأتوه ضارعين راغبين كما وعده تعالى في رؤياه قبل أن يأتوه! وأما قول يوسف لإخوته: ﴿ إنكم لسارقون ﴾ وهم لم يسرقوا الصواع، بل هو الذي كان قد أدخله في وعاء أخيه دونهم، فقد صدق عليه السلام لأنهم سرقوه من أبيه وباعوه، ولم يقل عليه السلام: إنكم سرقتم الصواع، وإنما قال: ﴿ نفقد صواع الملك ﴾ [يوسف: 72].