تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12.111

﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ﴾ الضمير ليوسف وإخوته، أو للأنبياء وأممهم. ورجح الزمخشري الثاني بقراءة " قصصهم " بكسر القاف، جمع قصة، والمفتوح مصدر بمعنى المفعول. وأجيب بأن قصة يوسف وأبيه وإخوته مشتملة على قصص وأخبار مختلفة، وقد يطلق الجمع على الواحد، كما مر في

أضغاث أحلام

[يوسف: 44]. وسنذكر وجوه العبر منها بعونه تعالى.

﴿ ما كان ﴾ أي: القرآن المدلول عليه بما سبق دلالة واضحة ﴿ حديثا يفترى ﴾ أي: يختلق. ﴿ ولكن تصديق الذي بين يديه ﴾ أي: من الكتب المنزلة، فهو يصدق ما فيها من الصحيح، وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير، ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير.

قال بعض المحققين: المراد به أن قصص القرآن ليست مخترعة ولا مفتراة، بدليل وجود أمثالها بين الناس، قبل نزوله. فهي وإن اختلفت قليلا في بعض التفاصيل والجزئيات، عما يرويه الناس، إلا أنها توافقها في الجملة، وتصدقها في الجوهر. فلا تظنوا أيها المشركون أن النبي اخترعها بعقله، بل اسألوا عنها أهل الكتاب، تجدوا أنها معروفة بينهم، ومروية في كتبهم. فوجود قصص القرآن عند الناس من قبل، من أعظم ما يصدقه ويؤيده؛ لأن النبي صلوات الله عليه، لم يطلع على كتب أهل الكتاب. ولا يتوهم من هذه الآية أن قصص القرآن يجب أن لا تختلف عن قصص التوراة والإنجيل في شيء ما، كلا! إذ لو صح هذا لما قال تعالى:

إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون

[النمل: 76] فقصصه قد تختلف عما عندهم وتبين لهم حقه من باطله، فلا منافاة بين تصديق القرآن لقصصهم في الجملة، ومخالفته لها في بعض الجزئيات - كما قلنا - ويجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿ تصديق الذي بين يديه ﴾ ، تصديق الحق الذي عندهم، لا كل الذي عندهم، وإلا لدخل في ذلك عقائدهم الفاسدة وأوهامهم وخرافاتهم وغيرها، مما جاء القرآن لإزالته ومحقه، ويستحيل أن يكون مصدقا لما جاء لإبطاله. فتنبه لذلك، ولا تكن من الغافلين. انتهى.

وقوله تعالى: ﴿ وتفصيل كل شيء ﴾ أي: تبيان كل ما يحتاج إليه من أحكام الحلال والحرام، والآداب والأخلاق، ووجوه العبر والعظات. ولذا كان أعظم ما تنقذ به القلوب من الغي إلى الرشاد، ومن الضلال إلى السداد، وتبتغي به الرحمة من رب العباد، كما قال تعالى: ﴿ وهدى ﴾ أي: من الضلالة ﴿ ورحمة ﴾ أي: من العذاب ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ أي: يصدقون به، ويعلمون بأمره، فإن الإيمان قول وعقد وعمل، وخصهم لأنهم المنتفعون به.

خاتمة في مباحث مهمة

الأول: فيما قيل في وجوه العبر في هذا القصص:

قال في (اللباب): الاعتبار والعبرة: الحالة التي يتوصل بها الإنسان من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد.

والمراد منه التأمل والتفكر، ووجه الاعتبار بهذه القصة أن الذي قدر على إخراج يوسف من الجب بعد إلقائه فيه، وإخراجه من السجن، وتمليكه مصر بعد العبودية، وجمع شمله بأبيه وإخوته بعد المدة الطويلة، واليأس من الاجتماع، قادر على إعزاز محمد صلى الله عليه وسلم، وإعلاء كلمته، وإظهار دينه. وأن الإخبار بهذه القصة العجيبة جار مجرى الإخبار عن الغيوب، فكانت معجزة له صلى الله عليه وسلم.

وقال بعضهم: إن قصة يوسف الصديق، جمة الفائدة؛ وجليلة العائدة، تحدو بكل امرئ أبي إلى الاقتداء بها. فإن من أطلق سوام الفكر في حياة يوسف عليه السلام، رآها رغيدة، وألفاها هنيئة، وما ذلك إلا لطيب سيرته، وحميد سريرته، وتمسكه بعري التقوى والفضيلة، ولا سيما فضيلة العفة والطهارة التي ترفع قدر صاحبها وتنزله المنزلة السامية، فعلى المرء أن يقتفي أثر هذه الفضيلة الجليلة، كيوسف، فيتسنم ذروة المجد في هذه الدنيا، وينال السعادة الدائمة في الآخرة. انتهى.

قال الإمام أبو جعفر بن الزبير: هذه السورة من جملة ما قص على النبي، صلوات الله عليه، من أنباء الرسل، وأخبار من تقدمه، مما فيه التثبت المشار إليه في قوله تعالى:

محاسن التأويل · الصفحة ١٦٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٦٥٧