تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو في ذلك صادق لأنه كان غير واجد له فكان فاقدا له بلا شك! وأما خدمته عليه السلام لفرعون فإنما خدمه تقية وفي حق لاستنقاذ الله تعالى بحسن تدبيره، ولعل الملك أو بعض خواصه قد آمن به إلا أن خدمته له على كل حال حسنة وفعل خير، وتوصل إلى الاجتماع بأبيه وإلى العدل وإلى حياة النفوس إذ لم يقدر على المغالبة ولا أمكنه غير ذلك، ولا مرية في أن ذلك كان مباحا في شريعة يوسف عليه السلام بخلاف شريعتنا، قال الله تعالى:

لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا

[المائدة: 48] وأما سجود أبويه فلم يكن ذلك محظورا في شريعتهما بل كان فعلا حسنا، وتحقيق رؤياه الصادق من الله تعالى. ولعل ذلك السجود كان تحية كسجود الملائكة لآدم عليه السلام. إلا أن الذي لا شك فيه أنه لم يكن سجود عبادة ولا تذلل وإنما كان سجود كرامة فقط بلا شك! وأما قوله عليه السلام للذي كان معه في السجن: ﴿ اذكرني عند ربك ﴾ [يوسف: 42] فما علمنا الرغبة في الانطلاق من السجن محظورة على أحد! وليس في قوله ذلك دليل على أنه أغفل الدعاء إلى الله عز وجل، لكنه رغب هذا الذي كان معه في السجن في فعل الخير وحضه عليه، وهذا فرض من وجهين: أحدهما: وجوب السعي في كف الظلم عنه. والثاني: دعاؤه إلى الخير والحسنات. وأما قوله تعالى: ﴿ فأنساه الشيطان ذكر ربه ﴾ [يوسف: 42]. فالضمير الذي في ﴿ أنساه ﴾ وهو الهاء راجع إلى الفتى الذي كان معه في السجن، أي: أن الشيطان أنساه أن يذكر ربه أمر يوسف عليه السلام؛ ويحتمل أيضا أن يكون أنساه الشيطان ذكر الله تعالى، ولو ذكر الله عز وجل لذكر حاجة يوسف عليه السلام، وبرهان ذلك قول الله عز وجل: ﴿ وادكر بعد أمة ﴾ [يوسف: 45]. فصح يقينا أن المذكر بعد أمة هو الذي أنساه الشيطان ذكر ربه حتى تذكر. وحتى لو صح أن الضمير من ﴿ أنساه ﴾ راجع إلى يوسف عليه السلام لما كان في ذلك نقص ولا ذنب. إذ ما كان بالنسيان فلا يبعد عن الأنبياء! وأما قوله: ﴿ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ﴾ [يوسف: 24] فليس كما ظن من لم يمعن النظر حتى قال من المتأخرين من قال: (إنه قعد منها مقعد الرجل من المرأة) ومعاذ الله من هذا أن يظن برجل من صالحي المسلمين أو مستوريهم؛ فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم!! فإن قيل: إن هذا قد روي عن ابن عباس رضي الله عنه من طريق جيدة الإسناد؛ قلنا: نعم، ولا حجة في قول أحد إلا فيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط والوهم في تلك الرواية إنما هي بلا شك عمن دون ابن عباس، أو لعل ابن عباس لم يقطع بذلك، إذ إنما أخذه عمن لا يدري من هو، ولا شك في أنه شيء سمعه فذكره؛ لأنه رضي الله عنه من لم يحضر ذلك ولا ذكره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحال أن يقطع ابن عباس بما لا علم له به! لكن معنى الآية لا يعدو أحد وجهين: إما أنه هم بالإيقاع بها وضربها؛ كما قال تعالى:

وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه

[غافر: 5] وكما يقول القائل: لقد هممت بك، لكنه عليه السلام امتنع من ذلك ببرهان أراه الله إياه استغنى به عن ضربها. وعلم أن الفرار أجدى عليه وأظهر لبراءته، على ما ظهر بعد ذلك من حكم الشاهد بأمر قد القميص. والوجه الثاني: أن الكلام تم عند قوله: ﴿ ولقد همت به ﴾ ثم ابتدأ تعالى خبرا آخر فقال: ﴿ وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ﴾ وهذا ظاهر الآية بلا تكلف تأويل. وبهذا نقول وبرهان ربه ههنا هو النبوة وعصمة الله عز وجل إياه. ولولا البرهان لكان يهم بالفاحشة، وهذا لا شك فيه! ولعل من ينسب هذا إلى النبي المقدس يوسف، ينزه نفسه الرذلة عن مثل هذا المقام فيهلك. وقد خشي النبي صلى الله عليه وسلم الهلاك على من ظن به ذلك الظن، إذ قال للأنصاريين حين لقيهما: " هذه صفية "! ومن الباطل الممتنع أن يظن ظان أن يوسف عليه السلام هم بالزنى وهو يسمع قول الله تعالى: ﴿ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشآء ﴾ [يوسف: 24]! فنسأل من خالفنا عن الهم بالزنى: سوء هو أم غير سوء؟ فلابد أنه سوء، ولو قال: إنه ليس بسوء لعاند الإجماع. فإذ هو سوء، وقد صرف عنه السوء، فقد صرف عنه الهم بيقين! وأيضا فإنها قالت: ﴿ ما جزآء من أراد بأهلك سوءا ﴾ [يوسف: 25] وأنكر هو ذلك فشهد الصادق المصدق ﴿ وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين ﴾ [يوسف: 27] فصح أنها كذبت بنص القرآن، وإذ كذبت بنص القرآن فما أراد بها قط سوءا، فما هم بالزنى قط. ولو أراد بها الزنى لكانت من الصادقين، وهذا بين جدا! وكذلك قوله تعالى عنه أنه قال: ﴿ وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين * فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن ﴾ [يوسف: 33-34] فصح عنه أنه قط لم يصب إليها.

محاسن التأويل · الصفحة ١٦٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٦٦٤