12.43
﴿ وقال الملك ﴾ أي: لملئه: ﴿ إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف ﴾ أي: هالكات من الهزال. جمع عجفاء، بمعنى المهزولة، ضد السمينة، ﴿ وسبع سنبلات ﴾ أي: وأرى رؤيا ثانية سبع سنبلات ﴿ خضر وأخر يابسات ﴾ أي: وسبعا أخر يابسات دقيقة، أي: نبتت وراءها، فابتلعت السنابل الخضر الممتلئة. وإنما استغنى عن عددها وإعدامها للخضر، للاكتفاء بما ذكر من حال البقرات لأنها نظيرتها.
وقوله: ﴿ يأيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرءيا تعبرون ﴾ خطاب للأشراف من قومه، وكان دعا، إثر استيقاظه، سحرة مصر وحكماءها، وقص عليهم رؤياه هذه.
12.44
﴿ قالوا ﴾ أي: الملأ للملك ﴿ أضغاث أحلام ﴾ أي: تخاليطها، جمع (ضغث). وهو في الأصل ما جمع من أخلاط النبات وحزم، ثم استعير لما تجمعه القوة المتخيلة من أحاديث النفس، ووساوس الشيطان، وتريها في المنام. و (الأحلام) جمع (حلم)، وهو ما يراه النائم، فهو مرادف للرؤيا، إلا أنها غلبت في رؤيا الخير، والشيء الحسن، وغلب الحكم على خلافه، وفي الحديث:
" الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان ".
قال التوربشتي: الحلم عند العرب يستعمل استعمال الرؤيا، والتفريق من الاصطلاحات التي سنها الشارع للفصل بين الحق والباطل، كأنه كره أن يسمى ما كان من الله، وما كان من الشيطان، باسم واحد، فجعل الرؤيا عبارة عن الصالح منها؛ لما في الرؤيا من الدلالة على المشاهدة بالبصر أو البصيرة، وجعل الحلم عبارة عما كان من الشيطان، لأن أصل الكلمة لم يستعمل إلا فيما يخيل للحالم في منامه من قضاء الشهوة، مما لا حقيقة له. انتهى.
والمراد بالجمع في (الأحلام) ما فوق الواحد؛ لأنهما حلمان، رأى كل واحد منهما إثر استيقاظه منه، كما روي. وفهم بعضهم أنه حلم واحد، فالتمس للجمع نكتة فقال: إما المبالغة في وصفه بالبطلان، أو تضمنه أشياء مختلفة. ولا حاجة إليه، كما بينا.
﴿ وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين ﴾ يحتمل أن يريدوا ب ﴿ الأحلام ﴾ المنامات الباطلة خاصة. أي: ليس لها تأويل عندنا، وإنما التأويل للرؤيا الصادقة، وأن يعترفوا بقصور علمهم، وأنهم ليسوا في التعبير بنحارير.
قال الناصر: وهذا هو الظاهر. وحمل الكلام على الأول يصبره من وادي:
على لاحب لا يهتدى بمناره
كأنهم قالوا: ولا تأويل للأحلام الباطلة، فنكون به عالمين. وقول الملك لهم أولا:
إن كنتم للرءيا تعبرون
[يوسف: 43] دليل على أنهم لم يكونوا في علمه عالمين بها، لأنه أتى بكلمة الشك، وجاء اعترافهم بالقصور مطابقا لشك الملك الذي أخرجه مخرج استفهامهم عن كونهم عالمين بالرؤيا أو لا. وقول الفتى:
أنا أنبئكم بتأويله
[يوسف: 45] إلى
لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون
[يوسف: 46] دليل أيضا على ذلك - والله أعلم.