12.99
﴿ فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه ﴾ إشارة إلى ورود يعقوب وآله على يوسف. وذلك أنهم تخلوا عن آخرهم، وترحلوا من بلاد كنعان، وأركبوا أطفالهم ونساءهم على العجل التي بعث بها فرعون، وصحبوا ماشيتهم وسرحهم، وهبطوا أرض مصر - وروي أنهم كانوا سبعين نفسا - وتقدمهم يهوذا إلى يوسف ليدله على أرض (جاسان) فينزلوها. ثم خرج يوسف في مركبته، فتلقى أباه في (جاسان)، ولما ظهر له ألقى بنفسه على عنقه وبكى طويلا. والمراد بدخولهم على يوسف وصولهم لمتلقاه خارج البلد، وبإيواء أبويه ضمهما إليه، واعتناقهما واصطحابه لهما في مركبه. قالوا: عنى بأبويه والده وخالته، لأن أمه راحيل توفيت وهي نفساء بأخيه بنيامين. وتنزيل الخالة منزلة الأم، لكونها مثلها في زوجة الأب، وقيامها مقامها وتوقيرها، كتنزيل العم منزلة الأب في قوله:
وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق
[البقرة: 133].
﴿ وقال ادخلوا مصر إن شآء الله آمنين ﴾ أي: من القحط وأصناف المكاره.
12.100
﴿ ورفع أبويه على العرش ﴾ أي: أجلسهما معه على سرير ملكه تكريما لهما: ﴿ وخروا له سجدا ﴾ أي: سجد له أبوه وإخوته الباقون، وكانوا أحد عشر، تحية وتكرمة له. وكان السجود عندهم للكبير يجري مجرى التحية عندنا.
﴿ وقال يأبت هذا ﴾ أي: السجود ﴿ تأويل ﴾ أي: تعبير ﴿ رؤياي من قبل ﴾ أي: التي رأيتها أيام الصبا، وهي سجود أحد عشر كوكبا والشمس والقمر ﴿ قد جعلها ربي حقا ﴾ أي: صدقا مطابقا للواقع في الحس ﴿ وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن ﴾ أي: فنجاني من العبودية، وجعل الملك مطيعا لي، مفوضا إلي خزائن الأرض. وفي الاقتصار على التحدث بالخروج من السجن على جلالة ملكه، وفخامة شأنه - من التواضع، وتذكر ما سلف من الضراء استدامة للشكر، ما فيه من أدب النفس الباهر. وفيه إشارة إلى النعمة في الانطلاق من الحبس، لأنه كما قال عبد الملك بن العزيز، لما كان في حبس الرشيد:
ومحلة شمل المكاره أهلها
وتقلدوا مشنوءة الأسماء
دار يهاب بها اللئام وتتقى
وتقل فيها هيبة الكرماء
ويقول علج ما أراد ولا ترى
حرا يقول برقة وحياء
ويرق عن مس الملاحة وجهه
فيصونه بالصمت والإغضاء
وقال شاعر من المسجونين:
خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها
فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى
إذا جاءنا السجان يوما لحاجة
عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
ويؤثر عن يوسف عليه السلام أنه كتب على باب السجن: هذه منازل البلاء، وتجربة الأصدقاء، وشماتة الأعداء، وقبور الأحياء.
هذا وقد حاول كثير من الأدباء مدح السجن بسحر بيانهم. فقال علي بن الجهم:
قالوا حبست فقلت ليس بضائري
حبسي، وأي مهند لا يغمد؟
أو ما رأيت الليث يألف غابه
كبرا، وأوباش السباع تردد
والبدر يدركه المحاق فتنجلي
أيامه وكأنه متجدد
ولكل حال معقب ولربما
أجلى لك المكروه عما تحمد
والسجن، ما لم تغشه لدنية
شنعاء، نعم المنزل المتورد
بيت يجدد للكريم كرامة
فنزار فيه ولا يزور ويحفد
وأحسن ما قيل في تسلية المسجونين قول البحتري:
أما في رسول الله يوسف أسوة
لمثلك محبوسا على الجور والإفك
أقام جميل الصبر في السجن برهة
فآل به الصبر الجميل إلى الملك
نقله الثعالبي في (اللطائف واليواقيت).
﴿ وجآء بكم من البدو ﴾ أي: البادية، وقد كانوا أصحاب مواش، ﴿ من بعد أن نزغ ﴾ أي: أفسد ﴿ الشيطان بيني وبين إخوتي ﴾ أي: بالحسد. وأسنده إلى الشيطان لأنه بوسوسته وإلقائه، وفيه تفاد عن تثريبهم أيضا، وإنما ذكره لأن النعمة بعد البلاء أحسن موقعا. ﴿ إن ربي لطيف لما يشآء ﴾ أي: لطيف التدبير له، والرفق به، ﴿ إنه هو العليم ﴾ بوجوه المصالح ﴿ الحكيم ﴾ في أفعاله وأقضيته.