تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

12.37

﴿ قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ﴾ أي: قبل أن يصلكما. والمراد بالطعام ما يبعث إلى أهل السجن. وتأويله ذكر ما هو، بأن يقول: يأتيكما طعام كيت وكيت، فيجدانه كذلك. وحقيقة (التأويل) تفسير الألفاظ المراد منها خلاف ظاهرها ببيان المراد.

قال أبو السعود: فإطلاقه على تعيين ما سيأتي من الطعام، إما بطريق الاستعارة، فإن ذلك بالنسبة إلى مطلق الطعام المبهم بمنزلة التأويل، بالنظر إلى ما رئي في المنام، وشبيه له؛ وإما بطريق المشاكلة، حسبما وقع في عبارتهما من قولهما:

نبئنا بتأويله

[يوسف: 36]. ومراده عليه السلام بذلك: بيان كل ما يهمهما من الأمور المترقبة قبل وقوعها. وإنما تخصيص الطعام بالذكر لكونه عريقا في ذلك، بحسب الحال، مع ما فيه من مراعاة حسن التخلص إليه مما استعبراه من الرؤيين المتعلقتين بالشراب والطعام.

﴿ ذلكما ﴾ أي: ذلك التأويل والإخبار بالمغيبات ﴿ مما علمني ربي ﴾ أي: بالوحي والإلهام، لا من التكهن والتنجيم. وفيه إشعار بأن له علوما جمة، ما سمعاه شذرة من جواهرها. وقوله تعالى: ﴿ إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون ﴾.

12.38

﴿ واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنآ أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ هذه الجملة إما مسوقة لبيان علة تعليم الله له بالوحي والإلهام، أي: خصني بذلك لترك الكفر، وسلوك طريق آبائي المرسلين، أو كلام مستأنف، ذكر تمهيدا للدعوة، وإظهار أنه من بيت النبوة، لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه، والوثوق به. والمراد بتركه ملة الكفر الامتناع عنها رأسا، كما يفصح عنه قوله: ﴿ ما كان لنآ أن نشرك بالله من شيء ﴾ ، أي: ما صح ولا استقام ذلك لنا، فضلا عن الوقوع. وإنما عبر عنه بذلك، لكونه أدخل بحساب الظاهر في اقتدائهما به عليه السلام. والتخصيص بهم، مع أن الشرك لا يصح من غيرهم أيضا، لأنه يثبت بالطريق الأولى. أو المراد نفي الوقوع منهم لعصمتهم. وتكرير (هم) للدلالة على اختصاصهم، وتأكيد كفرهم بالآخرة. وزيادة (من) في المفعول، أعني ﴿ من شيء ﴾ لتأكيد العموم، أي: لا نشرك به شيئا من الأشياء، قليلا أو حقيرا، صنما أو ملكا أو جنيا أو غير ذلك.

وقوله: ﴿ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ﴾ يعني عدم الإشراك بالله، وهو التوحيد، من نعم الله العامة، التي يجب شكره تعالى على الهداية لها بالفطر السليمة، ونصب الدلائل الأنفسية والآفاقية.

ثم أن أكثر الناس نبذوا هذه النعمة بعدما حق عليهم شكرها.

ولما ذكر، عليه السلام، ما هو عليه من الدين القويم، تلطف في الاستدلال على بطلان ما عليه قومهما من عبادة الأصنام، فضرب لهما مثلا يتضح به الحق اتضاح بقوله:

﴿ يصاحبي السجن ءأرباب... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ١٦١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٦١٢