فكانت شريعة بني يعقوب أن يستعبدوا السارق سنة عند صاحب المتاع، فعاملهم بما هم عليه، لذلك يقول الله تعالى: ﴿ ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشآء الله نرفع درجات من نشآء وفوق كل ذي علم عليم ﴾ [يوسف: 76]، امتدح على حسن خطته في السياسة ومراعاته عادة أولئك القوم. وهذه - وإن كانت مسألة بسيطة الظاهر - فهي أم السياسة ورأس علوم العمران، وأول ما يوصى به السواس والعقلاء!
تالله! ما أجمل القرآن وما أبهج العلم! وليت شعري كيف يقول الله بعدها: ﴿ نرفع درجات من نشآء وفوق كل ذي علم عليم ﴾ [يوسف: 76] ولولا ما فيها من مبدأ شريف وحكم عالية مع وضوحها وبساطتها لذوي النظر السطحي والبله الغفل، ما أعطاها هذا الجلال والإعظام ومدح العلم؛ فحيا الله العلم وأدام دولته.
ومن العجيب الغريب تدبير هذه الحيلة بإخفاء الصواع، ثم نظر أمتعتهم جميعا ﴿ فبدأ بأوعيتهم قبل وعآء أخيه ﴾ [يوسف: 76]. وهذه: - وأيم الله - هي بعينها ما يصنعه ملوك الأرض قاطبة اليوم من السياسات والتلطف في الأمور الخفية، وإلباسها ألبسة مختلفة لسياسة بلادهم، وطلبا لحصول المقاصد النافعة، ودخولا للبيوت من أبوابها؛ ولكن بينهم وبين هذا النبي بون بعيد...! فانظر كيف تعطي هذه القصة هذه الأمور العجيبة!
لعمري! إن من طالع ما أمليناه بإمعان عن هذه القصة يتخيل عند تلاوتها أنه مشاهد أعمال الأمم الحاضرة والغابرة؛ وكأنما طالع آراء أهل المدينة الفاضلة، وعرف الحكماء وسواس الأمم، وشاهد جمال العلم والأدب والحكمة والموعظة الحسنة، حتى يعلم علم اليقين كيف قال الله في أول السورة: ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين ﴾ [يوسف: 3]، ويقول في آخرها: ﴿ ذلك من أنبآء الغيب نوحيه إليك ﴾ [يوسف: 102] ويقول: ﴿ قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله ومآ أنا من المشركين ﴾ [يوسف: 108] ثم ذكر أن الإنسان لا ينبغي له أن ييأس من روح الله فقال: ﴿ حتى إذا استيأس الرسل ﴾ الآية [يوسف: 110] ثم أفاد أن المقصود هو العبر والنظر لتأثير القصص وثمراتها، لا مجرد تفسيرها. إذ مجرد التفسير أمر بسيط يقنع به البسطاء. وإنما المقصد هو الاتعاظ والاعتبار فقال: ﴿ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ﴾ الآية [يوسف: 111] وهذه ترشدك - إن كنت من ذوي الهمة العالية - أن تصبر نفسك مع الذين يتعلمون أمدا طويلا، ولا تعجل بالرئاسة حتى يبلغ الكتاب أجله، وتنال حظا وافرا من الأخلاق والعلوم.
فلا بأس بالوظائف ونفع الأمة مع دوام المثابرة على العلم والاستزادة منه! فلقد صبر هذا النبي عليه السلام أياما وأياما، ولبس للحوادث أثوابا وأثوابا، حتى إذا غلب اليأس جاء الفرج والرفعة.
فتأمل.! كيف كانت هذه السورة يقرؤها القارئون، ويسمعها الجاهلون وهم عن آياتها معرضون! فإذا سمعوا صوتا حسنا ظنوا أن هذا هو جمال القرآن، فقالوا للقارئ: سبحان من أعطاك! وفرحوا بما عندهم من العلم بظواهر ورونق القراءة أو مجرد التفسير ومعرفة القصة ولم ينظروا إلى الحكم المودعة فيها فقبح الجهل..! يترك الرجل أعمى وإن لبس الحلل وتردى ثياب الفخار الكاذب والسراب الخادع..! كم للإنسان من آيات وعبر في السماوات والأرض فيعرض عنها! خلقت لنا الأبصار والأسماع والعقول لننظر ماذا في السماوات والأرض مما ذرأ المبدع في الكون، وتلا القرآن - وهو كلام مبدع الكون - وتلطف في تصوير المعاني، وألبسها أجمل لباس، فأعرض العقلاء فضلا عن العامة! فما للعامة لا يتعلمون؟ وما لذوي البصائر لا ينصحون ولا يبينون؟ وما للناس لا يكادون يفقهون؟.
ذكرنا نموذجا عن هذه السورة استنشاطا لهمم العقلاء، وحثا لمن لهم ذكاء وفطن وعقول راجحة - على الرجوع إلى كتابهم ونظرهم فيه، وإزالة لشبه من ارتاب في هذه القصص فأعرض! وجلي أن قصص القرآن جميعها مملوءة بالحكم كهذه القصة، وفي كل واحدة منها ما ليس في الأخرى كأنها ثمرات مختلف ألوانها! أين من يفقه هذا ممن يقف مع ألفاظها وهم عن آياتها معرضون؟ ولا عجب فإن نفوس الأسافل تأخذ الحكمة فترجعها من أفق سمائها إلى أرض ضعتها، كما يصير الماء في شجرة الحنظل مرا. فيقصدها هذا للنغمات، وذلك لقصة بسيطة، وآخر تسلية وتضييعا للزمن، وآخر يقف عند الألفاظ وإعرابها وصرفها وبلاغتها، ولكن هذا أرقى مما قبله - فقد سار في الطريق وهي الألفاظ، ولكن هيهات أن يصل للمقصود والثمرات إلا إن أعد تلك القواعد مقدمة للمقصود وبحث فيه! وآخرون يسمعون الآيات فيعرضونها على التاريخ والمؤرخون مختلفون كما قدمنا وما مثل هؤلاء في سيرهم إلا كمثل رجل أوتي آلة بخارية يسقي بها الحرث من النهر، فجلس بجانبها وترك استعمالها وأخذ يتفكر من أين هذا الحديد - ولم يجلب الماء - وإلى أي مسافة يرتفع، وما العلة فيه، ومن أين يأتي الفحم الحجري، وفي أي الطرق يسير إلى أن يصل إلينا؟ فيمر عليه شهر وشهران فيذبل زرعه وتبور أرضه..! ذلك مثل من يقرأ القرآن ويجعل جل عنايته تطبيقه على كلام المؤرخين أو قواعد النحويين أو الصرفيين وعلماء البلاغة فحسب! اللهم إلا قدرا يسيرا للفهم! وهذا - لعمرو الله - انتكاس على الرأس، واتخاذ الوسيلة مقصدا، كمثل من أراد الحج فجعل همته في إعداد الذخائر سنين فاختطفته المنون وفارق الحياة ولم يحج! ذلك مثلهم.