تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال علماء الأخلاق والحكماء: لا ينتظم أمر الأمة بمصلحين ورجال أعمال قائمين، وفضلاء مرشدين هادين، لهم شروط معلومة، وأخلاق معهودة؛ فإن كان القائم بالأعمال نبيا فله أربعون خصلة ذكروها. كلها آداب وفضائل بها يسوس أمته وإن كان رئيسا فاضلا لمدينة فاضلة، اكتفوا من الشروط الأربعين ببعضها. وسيدنا يوسف عليه السلام حاز من كمال المرسلين وجمال النبيين. ولقد جاء في سيرته هذه ما يتخذه عقلاء الأمم هدى لاختيار الأكفاء في مهام الأعمال، إذ قد حاز الملك والنبوة؛ ونحن لا قبل لنا بالنبوة لانقطاعها وإنما نذكر ما يليق بمقام رئاسة المدينة الفاضلة ولنذكر منها ثلاث عشرة خصلة هي أهم خصال رئيس المدينة الفاضلة لتكون ذكرى لمن يتفكر في القرآن، وتنبيها للمتعلمين - العاشقين - للفضائل على نفائس الكتاب العظيم، وحبا في نظرهم في القرآن، وليعلموا أن تلك القصص قد أودعت ما لم يكن ليخطر على بال من سمعه للتغني به ومجرد اللهو واللعب.

أهم ما شرطه الحكماء في رئيس المدينة الفاضلة:

1- العفة عن الشهوات، ليضبط نفسه وتتوافر قوته النفسية ﴿ كذلك لنصرف عنه السوء والفحشآء إنه من عبادنا المخلصين ﴾ [يوسف: 24].

2- الحلم عند الغضب، ليضبط نفسه ﴿ قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها ﴾ [يوسف: 77].

3- وضع اللين في موضعه والشدة في موضعها ﴿ ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين * فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون ﴾ [يوسف: 59-60]، والصدر للين والعجز للشدة.

4- ثقته بنفسه ﴿ اجعلني على خزآئن الأرض إني حفيظ عليم ﴾ [يوسف: 55].

5- قوة الذاكرة ليمكنه تذكر ما غاب ومضى له سنون، ليضبط السياسات ويعرف للناس أعمالهم

وجآء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون

[يوسف: 58].

6- جودة المصورة والقوة المخيلة حتى تأتي بالأشياء تامة الوضوح ﴿ إذ قال يوسف لأبيه يأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ﴾ [يوسف: 4].

7- استعداده للعلم، وحبه له، وتمكنه منه ﴿ واتبعت ملة آبآئي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنآ أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون ﴾ [يوسف: 38] ﴿ ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين ﴾ [يوسف: 22] ﴿ رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث ﴾ [يوسف: 101].

8- شفقته على الضعفاء وتواضعه مع جلال قدره وعلو منصبه. فخاطب الفتيين المسجونين بالتواضع فقال: ﴿ يصاحبي السجن ﴾ الآية [يوسف: 39]، وحادثهما في أمور دينهما ودنياهما، فالأول بقوله: ﴿ لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله ﴾ [يوسف: 37] والثاني بقوله: ﴿ إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله... ﴾ الآية [يوسف: 37] وشهدا له بقولهما: ﴿ إنا نراك من المحسنين ﴾ [يوسف: 36].

9- العفو مع القدرة ﴿ قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ﴾ [يوسف: 92].

10- إكرام العشيرة: ﴿ وأتوني بأهلكم أجمعين ﴾ [يوسف: 93].

11- قوة البيان والفصاحة بتعبيره رؤيا الملك، واقتداره على الأخذ بأفئدة الراعي والرعية والسوقة ما كان هذا إلا بالفصاحة المبنية على العلم والحكمة ﴿ فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ﴾ [يوسف: 54].

12- حسن التدبير ﴿ فما حصدتم فذروه في سنبله ﴾ الآية [يوسف: 47].

ثم تأمل في اقتدار يوسف عليه السلام على سياسة الملك، وكيف اجتذب إليه القلوب بالإحسان ﴿ وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم ﴾... الآية [يوسف: 62]، ودبر الحيلة العجيبة بمسألة الصواع والاتهام بالسرقة ليضم أخاه إليه ﴿ فبدأ بأوعيتهم ﴾... الآية [يوسف: 76]، وعامل المحكومين بشرعهم ودينهم وملتهم وعادتهم، كما عليه جميع الأمم الشرقية الحية من الرفق بالأمة المحكومة لهم، فيسوسونهم بدينهم وعادتهم وشرعهم وأخلاقهم وأموالهم اتباعا لما رسمته الشريعة الغراء مما يناسب حكم سيدنا يوسف عليه السلام، وذلك أنه أمر أتباعه أن يسألوهم ﴿ قالوا فما جزآؤه إن كنتم كاذبين ﴾ الآية [يوسف: 74].

محاسن التأويل · الصفحة ١٦٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٦٦١