تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأشير فيها لتربية الأخلاق الفاضلة بالعفة في عنفوان الشباب مع الصديق. وليت شعري! كيف حفظ أخلاق آبائه وقومه والأنبياء في وسط مدنية المصريين وزخرفهم وجمالهم، وعبد الله وحده، ونسي ما يراه من أبي الهول وأبيس والأرباب المتفرقة...؟! يذكر هذا تبصرة لمن أحاطت بهم أمواج الحدثان من كل جانب، أن يحافظوا على أصول دينهم وقواعده، ثم ليفعلوا ما يشاؤون في أمور دنياهم..!

ظهر صدق يوسف في أخلاقه الشخصية، فلم يكن ذلك كافيا لإدارة أمور العامة، فأودع السجن وأحيط بالأحداث والجهلة من كل جانب، فأخذ يسوسهم كما يسوس الرجل أهل منزله وبث عقيدته بينهم، ظاهرا بمظهر الكمال والإحسان والعطف عليهم؛ ﴿ قال لا يأتيكما طعام ترزقانه ﴾ الآية [يوسف: 37] وأخذ يقص عليهم سيرة أسلافه، وحبه لمذهبهم، وبغضه لأصنام المصريين، ونحوهم، فقال: ﴿ إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ﴾ الآية [يوسف: 37]. ثم أخذ يذكرهم أن تفرق وجهة الأمة ضلال في السياسة، وأن توحيد وجهتها كياسة فيها، فقال: ﴿ يصاحبي السجن ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار ﴾؟ [يوسف: 39] فتفريق الوجهة شتات الجامعة. لم تسد أمة في الوجود إلا برجال يوحدون وجهتها أيا كانت فيؤمون مقصدا واحدا! والتفصيل لا يخفى على أولي الألباب.

وفي (آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي اثنتا عشرة جامعة بكل منهن قوم اتحدت بها: كاللغة، والوطن، والدين، والأخلاق، والجنس، والحكيم المرشد، والأب الأكبر. ونحو ذلك مما امتازت به أمة أو جماعة.

ولما تم له عليه السلام، الأمران - سياسة النفس والعشيرة - أخرج من السجن معظما مبجلا، وترقى من تعليم الصعلوك في السجن إلى تعليم الملوك على العروش، وأخذ يريهم كيف يقتصدون الأموال، وعبر لهم السنبلات الخضر واليابسات والبقرات السمان والعجاف، وأرشدهم إلى خزن البر وسنابله لئلا يفسد، وغير ذلك من الأمور العامة. وهذه هي المرتبة الثالثة: سياسة الأمة بأجمعها بعد قطع تينك العقبتين.

والبراعة والكياسة في علوم العمران، وتدبير أمر الأمة، إما بوحي وهذا خاص به وبأمثاله من الأنبياء عليهم السلام، وإما بتعليم وتدريب وهو اللائق بسائر الناس.

ترشد هذه السيرة الشريفة إلى أن الأخلاق الفاضلة ما تثبت عليها النفس مع الحقير والعظيم والصغير والكبير، وأن الإنسان لا يستحقر تعليم الأصاغر، فإنه لابد يوما ما أن يصل إلى الأكابر، كما في حديث هرقل مع أبي سفيان، وتعليم الصديق من في السجن. فبلغ صاحب السجن فرعون المصريين.

ابتلي هذا النبي بالسراء والضراء فلم تتغير أخلاقه، وكان نموذج الكمال في سعة بيت الملك والجلال، وموضع الثقة في ضيق قبر السجن وعشرة الأسافل التي تتغير بها الأخلاق، وتنسى بها أصول الأعراق، وتنزل الكامل من عروش الفضيلة إلى أسفل مقاعد الرذيلة، ومن أوج الكمال إلى حضيض النقص.

وهذه قصة يوسف - الذي تربى في مصر ونشأ فيها ولم تبهجه زخارف تلك المدنية إلى الرذيلة - جاءت عبرة للناس كافة وإلى المصريين خاصة! بهذه الأخلاق اعتلى يوسف عرش العظمة والجلال فساس مصر بعد أن كان مسوسا، وملك بعد أن كان مملوكا! ليس الجزاء على الأخلاق والكمال خاصا بالآخرة، بل في الدارين: ﴿ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشآء نصيب برحمتنا من نشآء ولا نضيع أجر المحسنين * ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون ﴾ [يوسف: 56-57].

هذه هي الأخلاق الفاضلة، ذكرت في التنزيل نموذجا، في غضون هذه السيرة، للأمم الإسلامية ليأخذوا ثمرتها ولا يضيعوا الزمن في أصلها وموردها في التاريخ كما يجمد المفسر على الإعراب أو الصرف أو البلاغة. وهذا غيض من فيض من حكم هذه القصة، وبها نفهم ما ذكر في أولها ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ أوحينآ إليك هذا القرآن ﴾ [يوسف: 3]. دع قول الجاهلين، وفهم المتنسكين، وتجاوز خلط المؤرخين واختلافهم، واصغ إلى ما في هذه القصة من هيئة تربية الحكام والأمراء، كما أشرنا سابقا، ولنزدك بيان!

محاسن التأويل · الصفحة ١٦٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٦٦٠