10.60
﴿ وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة ﴾ أي: فيما يفعل بهم، وهو يوم الجزاء بالإحسان والإساءة، وهو وعيد عظيم، حيث أبهم أمره ﴿ إن الله لذو فضل على الناس ﴾ في إنزال الوحي وتعليم الحلال والحرام ﴿ ولكن أكثرهم لا يشكرون ﴾ أي: هذه النعمة، فيستعملون ما وهب إليهم من الاستعداد والعلوم في مطالب النفس الخسيسة، ولا يتبعون ما هدوا إليه.
10.61
﴿ وما تكون في شأن ﴾ أي: أمر ما ﴿ وما تتلوا منه ﴾ أي: التنزيل ﴿ من قرآن ﴾ أي: سورة أو آية ﴿ ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه ﴾ أي: تخوضون وتندفعون فيه: ﴿ وما يعزب ﴾ أي: يغيب ﴿ عن ربك من مثقال ذرة ﴾ أي: نملة أو هباء ﴿ في الأرض ولا في السمآء ﴾ أي: في دائرة الوجود والإمكان.
وقوله تعالى: ﴿ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ﴾ كلام برأسه، مقرر لما قبله، أي: مكتوب مبين، لا التباس فيه. والمراد بالآية البرهان على إحاطة علمه تعالى بحال أهل الأرض، بأن من لا يغيب عن علمه شيء كيف لا يعرف حال أهل الأرض، وما هم عليه، مع نبيه صلى الله عليه وسلم.
10.62-64
﴿ ألا إن أوليآء الله ﴾ جمع ولي. وهو في الأصل ضد العدو، بمعنى المحب. وجاز كونه هنا بمعنى الفاعل، أي: الذين يتولونه بالطاعة، كقوله تعالى:
ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون
[المائدة: 56] وبمعنى المفعول أي: الذي يتولاهم بالإكرام كقوله تعالى:
الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور
[البقرة: 257] وقوله:
إنما وليكم الله ورسوله
[المائدة: 55] وكلا المعنيين متلازمان: ﴿ لا خوف عليهم ﴾ من لحوق مكروه، ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ أي: من الفزع الأكبر، كما في قوله تعالى:
لا يحزنهم الفزع الأكبر
[الأنبياء: 103]. ﴿ الذين آمنوا ﴾ أي: بكل ما جاء من عند الله تعالى ﴿ وكانوا يتقون ﴾ أي: يخافون ربهم، فيفعلون أوامره، ويتجنبون مناهيه، من الشرك والكفر والفواحش. ومحل الموصول الرفع على أنه خبر لمحذوف، كأنه قيل: من أولئك وما سبب فوزهم بذاك الإكرام؟ فقيل: هم الذين جمعوا بين الإيمان والتقوى المفضيين إلى كل خير، المنجيين عن كل شر. أو النصب بمحذوف.
وقوله تعالى: ﴿ لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ﴾ ﴿ البشرى ﴾ مصدر إما باق على مصدريته، والمبشر به محذوف، أي: لهم البشارة فيهما بالجنة، وإنما حذف للعلم به من آيات أخر كقوله تعالى:
الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم
[التوبة: 20-21] وقوله تعالى:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون
[فصلت: 30] وإما مراد به المبشر به، وتعريفه للعهد. كقوله سبحانه
يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم
[الحديد: 12].
وقوله تعالى: ﴿ لا تبديل لكلمات الله ﴾ أي: لمواعيده ﴿ ذلك ﴾ أي: بشراكم، وهي الجنة، ﴿ هو الفوز العظيم ﴾ أي: المنال الجليل، الذي لا مطلب وراءه، كيف وقد فازوا بالجنة وما فيها، ونجوا من النار وما فيها؟.
تنبيه
هذه الآية الكريمة أصل في بيان أولياء الله، وقد بين تعالى في كتابه، ورسوله في سنته، أن لله أولياء من الناس، كما أن للشيطان أولياء.
وللإمام تقي الدين ابن تيمية، عليه الرحمة، كتاب في ذلك سماه (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) نقتبس منه جملة يهم الوقوف عليها، لكثرة ما يدور على الألسنة من ذكر الولي والأولياء. قال رحمه الله:
إذا عرف أن الناس فيهم أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان، فيجب أن يفرق بين هؤلاء وهؤلاء، كما فرق الله ورسوله بينهما. فأولياء الله هم المؤمنون المتقون، كما في هذه الآية، وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: