تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10.23

﴿ فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق ﴾ أي: يفسدون فيها، ويسارعون إلى ما كانوا عليه من الشرك ونحوه. ﴿ يأيها الناس ﴾ أي: الناسين نعمة الخلاص بالإخلاص، واستجابة الدعاء ﴿ إنما بغيكم على أنفسكم ﴾ أي: وباله عليكم. ﴿ متاع الحياة الدنيا ﴾ خبر محذوف أي هو متاع، أو خبر ثان. أو الخبر ل ﴿ بغيكم ﴾ و ﴿ على ﴾ متعلق به. وقرئ بالنصب مصدر لمحذوف، أي: نمتعكم. أو مفعول به له، أي: تبغون. ﴿ ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون ﴾ أي: في الدنيا. وهو وعيد بجزائهم على البغي.

ثم بين تعالى شأن الدنيا وقصر مدة التمتع بها وقرب زمان الرجوع الموعود بقوله:

﴿ إنما مثل الحياة الدنيا... ﴾.

10.24

﴿ إنما مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من السمآء فاختلط به نبات الأرض ﴾ أي: امتزج به لسريانه فيه، فالباء للمصاحبة، أو هي للسببية، أي: اختلط بسببه حتى خالط بعضه بعضا، أي: التف بعضه ببعض، والأول أظهر ﴿ مما يأكل الناس والأنعام ﴾ من الزروع والثمار والكلأ والحشيش ﴿ حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها ﴾ أي: حسنها وبهجتها ﴿ وازينت ﴾ أي: بأصناف النبات ﴿ وظن أهلهآ أنهم قادرون عليهآ ﴾ أي: متمكنون من تحصيل حبوبها وثمرها وحصدها ﴿ أتاهآ أمرنا ﴾ أي: عذابنا ﴿ ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا ﴾ أي: كالمحصود من أصله ﴿ كأن لم تغن ﴾ أي: لم تنبت ﴿ بالأمس ﴾ أي: قبيل ذلك الوقت. و (الأمس) مثل في الوقت القريب ﴿ كذلك نفصل الآيات ﴾ أي بالأمثلة تقريبا ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ أي: في معانيها.

تنبيه

قال القاشاني: البغي ضد العدل، فكما أن العدل فضيلة شاملة لجميع الفضائل، وهيأة وحدانية لها، فائضة من نور الوحدة على النفس، فالبغي لا يكون إلا عن غاية الانهماك في الرذائل، بحيث يستلزمها جميعا، فصاحبها في غاية البعد عن الحق، ونهاية الظلمة، كما قال:

" الظلم ظلمات يوم القيامة "

فلهذا قال: (على أنفسكم) لا على المظلوم، لأن المظلوم سعد به، وشقي الظالم غاية الشقاء، وهو ليس إلا متاع الحياة الدنيا. إذ جميع الإفراطات والتفريطات المقابلة للعدالة تمتعات طبيعية، ولذات حيوانية، تنقضي بانقضاء الحياة الحسية، التي مثلها في سرعة الزوال، وقلة البقاء، هذا المثل الذي مثل به، من تزين الأرض بزخرفها من ماء المطر، ثم فسادها ببعض الآفات سريعا قبل الانتفاع بنباتها، ثم تتبعها الشقاوة الأبدية، والعذاب الأليم الدائم.

وفي الحديث:

" أسرع الخير ثوابا صلة الرحم، وأعجل الشر عقابا البغي واليمين الفاجرة "

؛ لأن صاحبه تتراكم عليه حقوق الناس، فلا تحتمل عقوبته المهل الطويل الذي يحتمله حق الله تعالى.

وسمعت بعض المشايخ يقول: قلما يبلغ الظالم والفاسق أوان الشيخوخة، وذلك لمبارزتهما الله تعالى في هدم النظام المصروف عنايته تعالى إلى ضبطه، ومخالفتهما إياه في حكمته وعدله. انتهى.

ولما ذكر تعالى الدنيا وسرعة تقضيها، رغب في الجنة ودعا إليها، وسماها دار السلام، أي: من الآفات والنقائص، لذكر الدنيا بما يقابله من كونها معرضا للآفات كما مر، فقال سبحانه.

﴿ والله يدعوا إلى دار... ﴾.

محاسن التأويل · الصفحة ١٤٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

محاسن التأويلص ١٤٩٣