10.34
﴿ قل هل من شركآئكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده ﴾ أي: من يبدؤه من النطفة، ويجعل فيه الروح، ليتعرف إليه، ويستعمله أعمالا، ثم يحييه يوم القيامة، ليجزيه بما أسلف في أيامه الخالية، وإنما نظمت الإعادة في سلك الاحتجاج، مع عدم اعترافهم بها، إيذانا بظهور برهانها، للأدلة القائمة عليها سمعا وعقلا، وإن إنكارها مكابرة وعناد لا يلتفت إليه وإشعارا بتلازم البدء والإعادة وجودا وعدما، يستلزم الاعتراف به الاعتراف بها. ثم أمر عليه الصلاة والسلام بأن يبين لهم من يفعل ذلك، فقيل له: ﴿ قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون ﴾ أي: فكيف تصرفون إلى عبادة الغير، مع عجزه عما ذكر. ثم احتج عليهم أيضا، إفحاما إثر إفحام، بقوله تعالى:
﴿ قل هل من شركآئكم من يهدي... ﴾.
10.35
﴿ قل هل من شركآئكم من يهدي إلى الحق ﴾ أي: بوجه من الوجوه، كبعثة الرسل، وإيتاء العقل، وتمكين النظر في آيات الكون، والتوفيق للتدبر. ﴿ قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق ﴾ وهو تبارك وتعالى ﴿ أحق أن يتبع ﴾ أي: يعبد ويطاع ﴿ أمن لا يهدي ﴾ أي: لا يهدي بنفسه، أولا يهدي غيره ﴿ إلا أن يهدى ﴾ أي: إلا أن يهديه الله تعالى - نزل منزلة من يعقل لإفحامهم - وقيل معناه: أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقل إليه إلا أن ينقل. أو لا يهتدي ولا يصح منه الاهتداء، إلا أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حيوانا مكلفا، فيهديه. وقد قرئ: ﴿ أمن لا يهدي ﴾ بفتح الياء والهاء وتشديد الدال، أصله يهتدي، أدغمت التاء في الدال، ونقلت فتحة التاء المدغمة إلى الهاء؛ وقرئ بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال؛ لأنه لما نقلت الحركة التقى ساكنان، فكسر أولهما للتخلص من التقائهما، وقرئ بسكون الهاء وبتخفيف الدال، على معنى (يهتدي). والعرب تقول: يهدي بمعنى يهتدي. يقال: هديته فهدي أي: اهتدى.
وقوله تعالى: ﴿ فما لكم ﴾ مبتدأ وخبر، والاستفهام للإنكار والتعجب. أي: أي شيء لكم في اتخاذ هؤلاء العاجزين عن هداية أنفسهم، فضلا عن هداية غيرهم، شركاء. وقوله: ﴿ كيف تحكمون ﴾ مستأنف، أي: كيف تحكمون بالباطل، حيث تزعمون أنهم أنداد الله؟!.