لقد قصصنا عليك ما نزل بقوم نوح ومن بعدهم من المكذبين؛ فهل ينتظر هؤلاء الكفار إلا عذابا مثل عذاب الأمم السابقة عليهم، قال تعالى: ﴿وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا﴾ - (الإسراء: 17).
قال القرطبي: الأيام هنا بمعنى: الوقائع، يقال: فلان عالم بأيام العرب، أي: بوقائعهم.
قال قتادة: يعني: وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، والعرب تسمى العذاب: أياما، والنعيم: أياما، كقوله تعالى: ﴿وذكرهم بأيام الله﴾ - وكل ما مضى من خير أو شر فهو أيام- ا ه.
﴿قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: فانتظروا وترقبوا آثار إصراركم على الكفر، فإني مترقب معكم ما سيصيبكم من عذاب؛ إن ظللتم مصرين على الكفر والإنكار.
103 - (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ)
103 ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ- -.﴾ الآية.
اقتضت سنة الله تعالى إرسال الرسل، وإنزال الكتب وإلزام الحجة قال تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما﴾ - (النساء: 165).
وبعد أن يقوم الرسل بالبلاغ والإنذار، ويؤمن بهم من يؤمن، ويكفر بهم من يكفر، تكون العاقبة للمؤمنين، والهلاك للكافرين، لقد أفادت الآية السابقة: أن المكذبين ينتظرون عذابا مثل: عذاب قوم نوح ومن بعدهم، وأفادت هذه الآية: أنه بعد عذاب المكذبين، ينجي الله المرسلين، وينجي معهم من آمن بهم، تلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.
﴿كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: كما أنجى الله الأنبياء والمؤمنين مما أصاب أقوامهم، كذلك ينجي المؤمنين معك أيها الرسول، ويهلك المصرين على تكذيبك، و عدا حقا علينا لا نخلفه؛ كما قال تعالى: ﴿سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا﴾ - (الإسراء: 77) - وقال سبحانه: ﴿ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين﴾ - (الأنبياء: 9).
104 - (قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ 104 وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ 105 وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ 106﴾
المفردات:
يتوفاكم: يستوفي آجالكم؛ بقبض أرواحكم.
التفسير:
104 ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ- -.﴾ الآية.
تمهيد:
تأتي هذه الآيات الكريمة على طريقة القرآن في تنويع الخطاب وتصريف القول؛ ليأخذ على الجاحدين كل طريق، وليأخذ بأيديهم إلى التفكر والتأمل في شأن الأصنام التي يعبدونها، والدين الحق الذي يدعوهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ﴾.