تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عز وجل عليها، وما أخذت نفسي في حال البداية بطريق من طرق المجاهدات إلا ولازمته واعتنقته نفسي، وأخذته بكلتا يدي، وأقمت زمانا في خراب المدائن، آخذ نفسي بطرق المجاهدات، فمكثت سنة آكل المنبوذ، ولا أشرب الماء، وسنة أشرب الماء ولا آكل المنبوذ، وسنة لا آكل ولا أشرب ولا أنام، ونمت بإيوان كسرى في ليلة شديدة البرد، فاحتلمت، فقمت وذهبت إلى الشط واغتسلت، فنمت تلك الليلة أربعين مرة، واحتلمت أربعين مرة، واغتسلت في الشط أربعين مرة، ثم صعدت إلى الإيوان خوف النوم، وأقمت في خرائب الكرخ سنين لا أقتات فيها إلا بالبردي، ويأتيني رجل في رأس كل سنة بجبة صوف، ودخلت في ألف فن حتى استريح من دنياكم، وما كنت أعرف إلا بالتخارس والبله والجنون، وكنت أمشي حافيا في الشوك وغيره، وما هالني شيء إلا سلكته، ولا غلبتني نفسي فيما تريده قط، ولا أعجبني شيء من زينة الدنيا قط، فقلت له: يا سيدي، ولا لما كنت صغيرا؟ قال: ولا لما كنت صغيرا.

وقال الشيخ عثمان الصريفيني: سمعت سيدنا الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه يقول: كنت أجلس في الخراب بالليل والنهار، ولا آوي في بغداد، وكانت الشياطين تأتيني صفوفا رجالا وركبانا بأنواع السلاح، وأزعج الصور، يقاتلوني ويرموني بشهب النار، فأجد في قلبي تثبيتا لا يغير عنه، وأسمع مخاطبا من باطني يقول لي: قم إليهم يا عبد القادر، فقد ثبتناك تثبيتا، وأيدناك بنصرنا، فما هو إلا أن أنهض إليهم، فيفرون يمينا وشمالا، ويذهبون من حيث أتوا، وكان يأتيني الشيطان منهم وحده، ويقول لي: اذهب من هنا، وإلا فعلت وفعلت. ويحذرني تحذيرا كثيرا، فألطمه بيدي، فيفر مني، فأقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فيحترق وأنا أنظر إليه. وأتاني مرة شخص كريه المنظر، منتن الريح، وقال لي: أنا إبليس أتيتك أخدمك، فقد أعييتني وأعييت أتباعي. فقلت: اذهب. فأبى، فجاءته يد من فوقه، وضربت أم رأسه، فغاص في الأرض، ثم أتاني ثانية، وبيده شهاب من نار، يقاتلني به، فأتاني رجل ملثم راكب فرسا أشهب، وناولني سيفا، فنكص إبليس على عقبيه، ثم رأيته مرة ثالثة جالسا بالبعد مني، وهو يبكي، ويحثو التراب على رأسه، ويقول: قد أيست منك يا عبد القادر. فقلت. اخسأ يا لعين، فإني لا أزال حذرا منك، فقال: هذه أشد علي، ثم كشف لي

مرآة الزمان · الجزء ٢١ · الصفحة ٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مرآة الزمانج ٢١ · ص ٩٧