وأما قوله: إنني فتحت القدس تحت راياته وعساكره، فأين راياته وعساكره: والله ما فتحته إلا بعساكري وتحت راياتي.
وأرعد السلطان وأبرق، وتأكدت الوحشة باطنا، وأمسك السلطان نفسه ظاهرا، وأكد الوحشة قتل ابن المقدم في هذه السنة على عرفات، وسنذكره إن شاء الله تعالى.
وأمر الفاضل فكتب كتابا إلى الخليفة يقول فيه: المحاققة توجب المفارقة، وإغلاق هذا الباب خير من فتحه، واندمال هذا الجرح خير من اتساعه وخرقه.
قلت (¬1): وقد وقفت على نسخة الرسالة الواردة بالإنكار، وهي عن قوام الدين يحيى بن زبادة؛ أستاذ دار الخليفة إذ ذاك، ومن إنشائه، والجواب عنها إليه من إنشاء القاضي، وهي رسالة غريبة أحببت إثباتها هاهنا، والجواب عنها، وصورتها بعد البسملة: قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾ [الأحزاب: 70 - 71] ما جمعه الله تعالى للملك الصالح صلاح الدين -أدام الله علوه- من أشتات المناقب، والآراء الصائبة الثواقب، والبصيرة النافذة في المبادي والعواقب، يغني عن إطالة الكلام في كشف الغامض الخفي، فضلا عن الواضح الجلي، ومعلوم أن الأولياء المحروص عليهم، المرغوب في عمارة قلوبهم، واستخلاص غائل صدورهم، واستدامة الحسنى منهم وفيهم، لا تطوى الأمور معهم على إدراج الأدراج، ولا تغضى العيون منهم على إقذاء الأقذاء، ولا تسمح بهم لمراجم الظنون ومظان الشبهات، ولا يترك تعريفهم كل ما ينظر منهم، بحيث يكون الإنعام محفوظا فيهم، وودائع الصنائع مستبقاة عندهم، ولولا مكان صلاح الدين من الخدمة الشريفة، والشح به، والمنافسة فيه لما جوهر بالعتاب، ولا رفع دونه هذا الحجاب، بل كان يترك الأمر على اختلاله، ويدمل الجرح على اعتلاله، وإنما الذي سبق له من الخدم، وسيق إليه من النعم، والزمان الذي استنفد في اصطناعه، وإطارة صيته وإطالة باعه، والمبالغة في أسباب علوه وارتفاعه، لا يسمح للغير، ولا يعرض صفوه للكدر، ولا يرى