السنة التاسعة والسبعون وخمس مئة
في يوم الأحد عاشر المحرم تسلم السلطان آمد، ودخل إليها، وجلس في دار الإمارة، ثم سلمها وأعمالها إلى نور الدين محمد بن قرا رسلان، وكان وعده بها لما جاء إلى خدمته.
ذكر طرف من أخبارها:
كان مدبرها قديما مؤيد الدين علي بن نيسان، وتوفي، فتولى أمرها ولده مسعود بن علي، وكان لآمد أمير قديم يقال له: إيكلدي من أيام السلاطين القدماء، وكان شيخا كبيرا، وله ولد اسمه محمد صغير، ومات إيكلدي وحكم مسعود على محمد، وكان [يظهر] (¬1) أنه يحفظ عليه آمد، وكان نور الدين يدعي أنها أخذت من أبيه قرا رسلان أو من جده، وأقام أبوه قرا رسلان يحاصرها زمانا، فلم يقدر عليها، ومات بحسرتها، ولما أخذها صلاح الدين خرج الرئيس محمود بن علي ومحمد بن إيكلدي منها بأموالهما وحريمهما إلى الموصل، وأعانهما صلاح الدين بدواب تنقل بعض قماشهما، فحملا ما خف حمله، وعجزا عن حمل كثير من الذخائر والأسلحة.
وكتب الفاضل إلى الخليفة كتابا في الفتح، منه: والخادم يتوقع في جواب هذا أن يمد بجيش هو الكلام، ورماح هي الأقلام، وليس ذلك لوسائل تقدمت من دولة أقامها بعد ميل عروشها، ولا لدعوة قام فيها بما تصاغرت دونه همم جيوشها، بل لأن هذه الجزيرة الصغيرة منها تنبعث الجريرة الكبيرة، وهي دار الفرقة ومدار الشقة، ولو انتظمت في السلك لانتظم جميع عسكر الإسلام في قتال أهل الشرك، ولكان الكفر ينقلب على عقبيه، ويلقي بيديه، ويغزى من مصر برا وبحرا، [ومن الشام] (¬2) سرا وجهرا، ومن الجزيرة مدا وجزرا.
وفي المحرم عاد السلطان، فقطع الفرات قاصدا إلى حلب، واجتاز في طريقه بعين تاب، وبها ناصح الدين محمد بن خمارتكين، فنزل إليه، وقام بالضيافة فأبقاها عليه، وجاءه ابن الساعاتي، فأنشده أبياتا منها: [من البسيط]