نفسك، ومتى بلغ نور الدين أنك عازم على منعه من البلاد قصدك بعساكر الشام والشرق وديار بكر والروم وغيرها، فلم يبق معك أحد، وأولهم خالك وغيره ممن نافسك في الملك، وفي قلوبهم منك ما فيها، وقد كتب أصحاب الأخبار إلى نور الدين بما قلت، فاكتب إليه كتابا تذعن له فيه بالطاعة، وقل له: ما حاجة إلى قصدي بنفسك، ابعث أحد غلمانك يحملني إلى بين يديك، [فهو إذا سمع هذا عدل عن قصدك، واشتغل بما هو أهم عنده] (¬1)، والأيام تندرج، والله تعالى كل يوم في شأن. فكتب صلاح الدين إلى نور الدين بذلك، فرجع عن قصده، واستحيا منه، واشتغل عنه بالفرنج.
وقال ابن شداد رحمه الله: قال لي صلاح الدين: أشار علي جماعة الأهل إن قصدني نور الدين أن أقاتله، وكنت وحدي أخالفهم، وأقول: والله لا كان ذلك أبدا، ولا قاتلت مولاي، حتى وصلت الأخبار بموته (¬2).
وقال أبو الحسن علي بن محمد بن الأثير الجزري: في هذه السنة اتخذ نور الدين الحمام الهوادي في جميع البلاد في الأبراج تنقل إليه الأخبار، وسببه اتساع مملكته، فكانت من حد بلاد النوبة إلى همذان، وكان أهم ما عنده قلع الفرنج من الساحل، فكان إذا تحرك الفرنج لقصده أو تحرك لقصدهم، كتب الكتب على أجنحة الطيور إلى البلاد البعيدة يستدعي العساكر، فيأتون إليه بسرعة (¬3).
وفيها قبض المستضيء على وزيره ابن رئيس الرؤساء، ونهبت دوره، وسببه ولده كمال الدين، فإنه كان ظالما جبارا، دخل الخادم صندل إلى دار الوزير، فأطبق دواته وحبس ابنه كمال الدين في بيت من الدار، واستولى على جميع [ما في الدار من المال والثياب والمتاع والخدم والمماليك والخيل وغيرها] (¬4)، وكمال الدين (¬5) في البيت ينظر إلى ماله كيف ينهب، ولا يقدر على الكلام.